السبت , 28 نوفمبر 2020

هاتف عم صالح..

منجي الفرحاني

في الصينية أربع تمرات وبيضة مسلوقة ونصف علبة ياغورت وفتات خبز وكثير من دعوات أمي التي أعادني إليها حجر الكورونا صاغرا…

•••

فيروز على حاسوبي تغني «أنا لحبيبي وحبيبي إلي» قبل أن يخترق صوتها الملائكي الحنون اشهار يوتوبي تعيس عن زراعة الشعر في مرتفعات رأس الرجاء الصالح ما فتئ أن تحول إلى أغنية راب بولندية تعيسة أظنها تتحدث عن العولمة لأن الفتاة الجميلة المثيرة المصاحبة للمغني كانت تضع كعبا في بوخارست والثاني في نيويورك مرورا بسوق سيدي عبد السلام في تونس العاصمة.. عم صالح القهواجي لم ينتبه إلا وكعبها يدوس هاتفه الذكي الذي يعرضه مع جهاز تلفزة وأرنبين وقط شريد للبيع عساه يتجاوز أزمته المادية التي سببتها الكورونا اللعينة منذ أعلنت الدولة غلق المقاهي والملاهي والمدارس وعلقت الأنشطة الرياضية والثقافية وأعلنت الحجر قبل أسبوعين..
عم صالح هو واحد من الذين عبر عنهم ذلك الشيخ الستيني بدموعه الوجلة أمام الكاميرا:
– تخدم توكل ما تخدمش ما توكلش!
لم يغضب عم صالح لكعب الفاتنة الذي ترك ثقبا كبيرا في قلب هاتفه الذكي، اكتفى بدمعة لم يستطع التحكم فيها فوجدت طريقها إلى تجاعيد خده التي عبثت بمجراها قبل أن تقع في ثقب الكعب..
– عم صالح، هل رأيتها؟
سأله جاره الشاب الذي يبيع الأقنعة والكمامات العتيقة، يقول إن ثلاثة من كماماتع تعود إلى زمن الطاعون!
– شكون؟
قال عم صالح!
– الحورية التي مرت قبل حين عم صالح، الحوربة!
– لم أر منها إلاّ كعبها في قوت عيالي..
ثم تناول الهاتف وأراه للشاب..
– محظوظ هاتفك عم صالح، ليتها داست على قلبي أنا…

لا تزال في قهوتي العربية بعض الرشفات الباردة مثل طقس الكاف اليوم ولازلت أعيد الفنجان إلى الصينية يمين الحاسوب بعد كل رشفة.. في الصينية أربع تمرات وبيضة مسلوقة ونصف علبة ياغورت وفتات خبز وكثير من دعوات أمي التي أعادني إليها حجر الكورونا صاغرا.. أما فيروز فهي تغني الآن:
«يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا
كعاشق خط سطرا في الهوى ومحا»
سافرت بي الكلمات إلى أعماقي فرأيتني أحاول محو عام من العشق لصاحبة العيون العربية العسلية ولا أستطيع قبل أن يفسد علي اشهار آخر لأغنية هندية كأن مغنيها قد فر لتوه من فيلم بوليودي سيء الإخراج والمونتاج والخدع…

فجأة رن هاتف عم صالح..
– عم صالح، أنا عرفك القديم، ايجا خويا خوذ فلوسك الي عرقت عليهم، الدنيا فيها كورونا!
بكى عم صالح فرحا وتوقف عن عرض بضاعته في السوق، فالألف دينار ستعينه ولو لحين على تجاوز محنته ثم نظر إلى السماء:
– يا ربي لك الحمد والشكر.. ومسامحك يا صاحبة الكعب العالي، لم تتعمدي ايذائي في هاتفي..
ولكنه لما تناول الهاتف ونظر في وجهه، لم ير فيه ثقبا، لقد عاد كما كان بعدما مسحت دموع الفرح الثقب، فضحك جاره الشاب وقال:
– عود نظف تاليفونك عم صالح، فجعتنا عليك!

بحثت عن أغنية الراب البولندية لأقتفي آثار الحورية صاحبة الكعب العالي وأنهي حكاية العولمة في زمن الكورونا فوجدها وصلت إلى سوق الحيوانات في ووهان وداست على كل الخفافيش من بغداد إلى الصين مرورا بأشباه البشر الذين رفضوا أن تدفن بنتهم في مقابرهم لأنها ماتت بالكورونا مرورا ببرج ترامب وبرج خليفة وبرج العيفة غير بعيد عن مدينة الكاف، هناك سلمت على الشيخ طارق اليحياوي في قهوته المغلقة وأهدته آخر خطاب للسيد الرئيس ليصلح أخطاءه اللغوية والسياسية عله يقول لنا لماذا سمح بإهانة الجنرال الحامدي ولعل الشيخ يترك المقاهي والفتاوي ويعود إلى عالم الأدب..

في الرشفة الأخيرة من قهوتي العربية رأيت ملامح صاحبة العيون العربية تظهر من جديد وتفسخ ملامح صاحبة الكعب العالي من الرشفة وتردد مع فيروز:
«أنا عندي حنين ما بع ف لمين!»
عادت غامضة كعهدي بها، تحن ولا تبوح..
لم أراقصها كالعادة متعللا بمسافة الأمان في زمن الكورونا..
– قالت:
– مجنون!
– قلت:
– هي مسافة الأمان كي لا أعقل!

✔ المنجي الفرحاني

شاهد أيضاً

صديقي البهلول جنونه قد أخرج عن سياقه

منجي الفرحاني  في مكالمة على الواتساب أكد لي صديقي البهلول أن جنونه قد أخرج عن …

“قد يعتلي ظهر الجياد ذباب”

منجي الفرحاني  المقاهي في هولندا أغلقتها صاحبة التاج الشقية كورونا وأنا لا أدري هل ستحتفظ …

اترك رد