السبت , 31 أكتوبر 2020

دردشات كورونا

محمد الصّالح السّعدي

غدو خير
أين أنت يا وسام؟ أين أنت أيّها المتشائم دائما؟ هل ما زلت -وأنت ربّما محجوز أو محجور في غرفتك، ممنوع من تلقاء نفسك من الخروج من بيت أمّك وأبيك- تلعن البلاد والشّعب والحكّام والمحكومين في تونس وتتمنّى لهم الوباء والفناء والجرب والحرب؟ وتحاول بحملات السّب والشّتم التّي كنت تشنّها على النّاس عامّة لأنّهم لم يثوروا على الحكّام، بل وما يزالون يشاركون في انتخابهم، وعلى الشّخصيات التّي تقدّر أنّي أكنّ لها شيئا من الاحترام حتّى بعد تولّيها مناصب في مجلس النّواب أو في الحكومة، أن تستفزّني وتضطرّني إلى الدّخول معك في جدال أعرف مسبقا أن لا طائل من ورائه.

أتمنّى أن تكون بخير، وأن تكون قد بدأت تعيد النّظر في تشاؤمك المفرط. رغم أنّي كنت، كما وضّحت لك ذلك في عديد المرّات، أتفهّم ظروفك والعوامل الكامنة وراء تشاؤمك هذا، إلّا أنّي لم أكن أتقبّل بعض سلوكاتك العنيفة وغير اللائقة التّي تتجاوز أحيانا حدّ المعقول والمستساغ، خاصة في حضرة من يفوقونك سنّا ومن هم غير مجبرين أصلا على تفهّمك والبحث عن أعذار لتصرّفاتك غير المقبولة.

أنت تعرف ما الّذي كان يشدّني أنا شخصيّا للدّخول إلى مقهى “اليمن” بانتظام والجلوس إلى المجموعة الّتي تضمّني معك وكمال وعبد الكريم وآخرون غير قارّين. فنحن، بخلافك أنت، نشترك في خصائص اجتماعيّة لا تتوفّر لديك. إذ كلّنا آباء، ومنّا من هو جدّ، وأنت ما زلت رغم تجاوزك الأربعين لم تتزوّج بعد. ونحن متقاعدون نتقاضى مرتّباتنا بانتظام كلّ شهر وأنت ما زلت تبحث عن نصيبك من الأعمال. ونحن قد تمكّنا -بفضل الله ونعمته- من تحقيق الكثير من أحلامنا وأنت ما زلت تحلم بما أصبح لدينا من الذّكريات الجميلة أو المؤلمة. أتصوّر أنّك، وأنت في الحجز الذّاتي، محروم منا وممنوع من مواصلة عملك وممارسة هوايتك في تدريب الأطفال في رياضة الكاراتيه، وأنت غير قادر على الجلوس تحت الشّجرة أو في ركن المقهى تنتظر “الشّلة” لنقضّي وقيّت (بين ساعة وساعتين وحتّى أكثر)، نجدّ حينا ونهزل أحيانا ثمّ نتفرّق على أمل أن يتجدّد اجتماعنا اليوم الموالي وبدون انقطاع. أتصوّر أنّك، ونحن مثلك، لا تعرف هل سيكتب لنا اللقاء مرّة أخرى أم لا، قد فهت أنّه لا مفرّ لنا من التّمسّك بالأمل، فما عداه يعني الاستسلام لكورونا والقبول بأحكام عزرائيل.

كم أنا مشتاق لجلساتنا لندردش ونتناقش فنتوافق ونختلف وأحيانا نتنافر لأيّام لكنّنا نعود بعدها وكأنّ كلّ شيء لم يكن. لكن هذه المرّة أبت الملعونة إلّا أن ترغمنا على القبول بالتّباعد إلى أجل غير معلوم، ومع ذلك كنت شبه متيقّنا أنّ كلّ واحد منّا يدعو الله بأن يكون صبح العودة قريبا. هكذا كان انطباعي.

ولكنّ ما هذه الصّورة الّسّوداء الّتي تنشرها على جدارك في الفايسبوك “وتكتب معها مازال، مازال…”؟ أليست هذه عبارتك الّتي ما فتئت تردّدها علينا للتّعبير عن تشاؤمك المتواصل. إذن، يبدو لي أنّك -رغم كورونا اللّعينة- لم تتزحزح من حفرة التّشاؤم الّتي سقطت فيها وأنت تتمتّع بكلّ نعم الله، فما بالك وأنت محروم من أجملها وأعني بها الحرّية. أتأسّف لحالك، وأنا لا أملك سوى أن أعلّق على ما كتبت كما تعوّدت منّي “بإذن الله، غدو خير”.

شاهد أيضاً

لا يا سيادة الرّئيس، بل هو احتلال وليس حماية

محمد الصّالح السّعدي  نعم، إنّ الوجود الفرنسي في تونس ما بين 1881 و1956 هو احتلال …

دردشات كورونا 7

محمد الصّالح السّعدي ها قد جاء الرّبيع… يا كورونا اليوم ضاقت نفسي وسئمت الحجر الصّحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.