السبت , 28 نوفمبر 2020

كلّما أطفؤوا نارا للحرب أوقدها سعيّد

طارق اليحياوي

لننطلق من مؤشر أمن الصحة العالمي (GHS)، والذي يشمل 195 دولة حول العالم ويعنى بقياس قدرة هذه الدول على منع الأوبئة والتخفيف من حدتها.
يهدف المشروع إلى “إحداث تغييرات في أمن الصحة على المستويات الوطنية وتعزيز القدرات الدولية على مواجهات تفشي الأمراض المعدية التي يمكن أن تؤدي إلى أوبئة عالمية”.

وكشف تقرير للمشروع أن متوسط درجة مؤشر GHS هي 40.2 درجة من أصل 100، وأن عدد البلدان ذات الدخل المرتفع وعددها 60 دولة حققت متوسط 51.9 درجة، ومن بين 116 دولة من الدول ذات الدخل المرتفع والمتوسط لم تحقق أي منها أكثر من 50 درجة.

وتشير النتائج إلى أن “الجاهزية” الدولية لمكافحة تفشي الأوبئة “ضعيفة”، ولا توجد دولة في العالم “مستعدة كليا” لها وكل الدول لديها “فجوات يجب أن تعالجها”.
ويشير التقرير إلى أن وجود “ضعف كبير” في قدرة الدول على منع واكتشاف الأمراض وقدرتها على الاستجابة للطوارئ الصحية وهناك “فجوات عميقة” في نظامها الصحي وهي “معرضة لمخاطر بيئية واجتماعية واقتصادية وسياسية قد تؤثر سلبا على استعدادها لمواجهة تفشي الأوبئة والاستجابة لها.
ويشير التقرير أيضا إلى أن 75 في المئة من دول العالم حققت درجات منخفضة في مؤشرات القدرة على مواجهة تهديدات بيولوجية.

•••

تسلّمت حكومة الفخفاخ مقاليد القصبة في وضع وبائي عالمي على نحو ما ذكرنا والمالية العمومية للدولة التونسية على نحو ما تعلمون واتخذت الحكومة طردا مع استشراء الجائحة الفيروسية عالميا ووطنيا إجراءات لاقت رضا كبيرا من قبل عموم التونسيّين مع وجود بعض النقائص والتحفظات على عدد من النقاط لكنّها -أي الحكومة- أبدت مرونة في التعامل مع الوضع وتفهما واستعدادا لتحسين الأداء رغم شحّ الموارد المتاحة.

ورغم النجاح الاتصالي المحمود لوزير الصحة الذي اعتبره كثيرون رجل المرحلة فإنّ الحكومة اليوم وبعد خطاب الرئيس سعيّد عقب اجتماع مجلس الأمن القومي لم تلق سوى اللوم وتعداد الأخطاء وكأنها لم تنجز شيئا ويبدو أنّ عيون قيس سعيّد لا ترى غير المساوي على حدّ عبارة المتنبي:
عيون الرضا عن كلّ عيب كليلة *** ولكنّ عين السخط تبدي المساويا

يبدو أنّ قدر الحكومة أن تواجه الجائحة وتصارع من أجل بسط الأمن والمحافظة على التوازنات الاقتصادية والسلم الاجتماعي وتتحمّل رداءة القصر.

•••

إنّ الذي يخيفني بالدّرجة القصوى والذي دفعني لتحبير هذه المقالة هو وجود مؤشرات قوية في خطاب الرئيس إلى الدفع في اتّجاه تبنّي مقاربة بالغة الخطورة وهي مقاربة مناعة القطيع والتي سنأتي على بيانها وشرحها فيما سيأتي.

لستُ جازما لكنّي وجدتُ في الخطاب دفعا خفيا لإلغاء حالة الحجر الصحي العام بدعوى خصاصة الطبقات الهشة والمفقرة. وفي هذا تبنّ لنظرية التعويل على مناعة القطيع التي اعتمدت عليها بريطانيا في بداية أزمة الكورونا والتي إذا اعتمدت فسوف تكون الطامّة الكبرى إذ إنّ في تونس نحو مليون مواطن في سن أكثر من 60 سنة ونسبة كبيرة من المدخنين وهما الشريحتان الأكثر تهديدا بهذه الكارثة إضافة لأصحاب الأمراض المزمنة.

•••

ما المقصود بمناعة القطيع ؟

مناعة القطيع أو مناعة المجتمع، (بالإنجليزية: herd immunity) هي شكلٌ من أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتحدث عندما تكتسبُ نسبةٌ كبيرةٌ من المجتمع مناعةً لعدوًى معينة، إما بسبب الإصابة بها سابقًا أو التلقيح، مما يُوفر حمايةً للأفراد الذين ليس لديهم مناعةٌ للمرض. إذا كانت نسبةٌ كبيرةٌ من السكان تمتلك مناعةً لمرضٍ معين، فإنه يُساعد في عدم نقل هؤلاء الأشخاص للمرض، وبالتالي يُحتمل أن تتوقف سلاسل العدوى، مما يؤدي إلى توقف أو إبطاء انتشار المرض. وكُلما زادت نسبة الأفراد الذين لديهم مناعةٌ في المجتمع، كلما يقلُ احتمال اختلاط الأفراد الذين لا يمتلكون مناعةً مع أشخاصٍ ناقلين للمرض، مما يُساعد على حمايتهم من العدوى.

قد يمتلكُ الأفراد مناعةً إما بعد الشفاء من عدوًى مُبكرة أو من خلال التلقيح. ولا يستطيع بعضُ الأفراد تطوير مناعةً لأسبابٍ طبية، مثل نقص المناعة أو تثبيط المناعة؛ لذلك تعدُ مناعة القطيع مهمة لهذه الفئة من الأفراد، حيثُ تُعتبر وسيلة حمايةً مصيريةٍ لهم. عند الوصول إلى حدٍ مُعين، فإنَّ مناعة القطيع تقضي تدريجيًا على المرض بين السكان. إذا حصلت إزالة المرض في جميع أنحاء العالم، فإنها قد تؤدي إلى انخفاضٍ دائمٍ في عدد حالات العدوى حتى تصل إلى صفر، وحينها يمكننا الحديث عن الاستئصال. [المصدر: ويكيبيديا]

•••

لعلكم تذكرون جميعا خطاب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسن: “استعدوا لفقدان أحبائكم”.

كان ذلك على إثر إعلان المستشار الطبي للحكومة البريطانية باتريك فالانس، التوجه إلى تطبيق سياسة “مناعة القطيع” وهو الإعلان الذي لاقى استياء واسعا في صفوف العلماء البريطانيين، ونأى الطبيب العام البريطاني كريس ويتي، بنفسه عن هذا التوجه، معلنا أن التركيز يجب أن ينصبّ على إنقاذ حياة الأشخاص الأكثر هشاشة أمام الفيروس.

وقال فالانس إن الهدف من “مناعة القطيع” أن يصاب 60% من البريطانيين لتشكيل مناعة ضد الفيروس، معتبرا أن هدفهم الرئيس هو تقزيم الإصابات بالفيروس، وبعد ذلك تمديده وجره وصولا لفترة الصيف، حيث الضغط أقل على المستشفيات.

وهناك رسالة موقعة من 245 عالما بريطانيًّا ودوليًّا، تطالب بإجراءات أكثر صرامة لمنع التجمعات البشرية.

وتؤكد الرسالة أن الجدول الزمني المحدد لمواجهة كورونا، سيؤدي إلى الوضع نفسه الذي تعيشه إيطاليا، وأكدت الرسالة أن المعطيات تشير إلى وصول عدد الإصابات لعشرات الآلاف خلال الأيام القليلة المقبلة والملايين خلال الأسابيع المقبلة.

ويرى الموقعون على الرسالة وهم علماء في الأوبئة والطب، أن الذهاب نحو خيار “مناعة القطيع” لا يشكل اختيارا مناسبا، بل قد يضع النظام الصحي البريطاني تحت ضغط أكبر ويعرض حياة مزيد من البريطانيين للخطر، مشيرين إلى ضرورة وضع إجراءات حازمة لمنع التجمعات البشرية، “لأنها كفيلة بتقليص عدد الإصابات بشكل كبير ومن شأنها إنقاذ أرواح الناس”.

كما انضمت منظمة الصحة العالمية لصف المنتقدين لطريقة التعامل البريطانية مع الوباء، حيث أكدت أن السبيل الوحيد لكسر سلسلة انتشار الفيروس، هو إجراء الاختبارات على الناس، بينما تصر بريطانيا على أنها لن تجري الاختبار إلا على من هم في حالة حرجة، أما البقية فعليهم فرض الحجر الصحي على أنفسهم.
وستطلق ألمانيا دراسة على أكثر من 100 ألف شخص لمعرفة ما إذا تشكلت لديهم مناعة ضدّ فيروس كورونا المُستجد أو ما يسمى بـ”مناعة القطيع” بما يسمح بتقييم انتشار الفيروس، بحسب ما قالت المتحدّثة باسم المعهد الرئيس المكلف بإنجازها.

وأكّدت سوزان تيليه من مركز “هيلمولتز” للأبحاث حول الأمراض المعدية في براونشفايغ (شمال البلاد)، المعلومات التي أوردتها مجلّة “شبيغل” الأسبوعية، وتفيد أن الدراسة المتوقّع أن تنطلق في أفريل المقبل ستستند إلى عيّنات دم مستخرجة من أكثر من 100 ألف شخص في فترات منتظمة.

وسيقوم الباحثون بتحليل ما إذا كانت هذه العيّنات ستفرز أجساما مضادة للفيروس كدليل لإصابة صاحبها بالمرض وتعافيه منه.

•••

وبالعودة إلى تونس فإنّ هناك مؤشرات قوية لوجود سيناريوهات مرعبة يحيكها متنفذو المافيا الليبرالية والرأسمالية تحت شعار “الشعب يريد” وشعار “نزولا عند رغبات الشعب” لافتعال تحركات وتحريك الشارع تحت عناوين اجتماعية ستؤدي إلى نتائج كارثية لا سمح الله.
إنّ على الشعب اليوم أن يكون متيقّضا وعلى وزارة الصحة أن تتحمّل مسؤوليتها الأخلاقية وتبيّن لعموم المواطنين وبكل شفافية ما يتهدّدهم من مخاطر وبائية في صورة كسر الحجر الصحي العام. وعلى الشعب أن يتكاتف جميعا وعلى الجمعيات والأفراد أن يكونوا في مستوى اللحظة ويلتفتوا للضعفة وأصحاب الحاجات. ولعلّنا ندرك اليوم فداحة الإجهاز على الجمعيات الخيريّة التي حوربت بضراوة من قبل اللوبيات نفسها التي تسعى اليوم لسحل الشعب التونسي بمفعول جائحة كورونا.

كذلك ينبغي أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في السيطرة على مسالك توزيع المواد الأساسية وأن تحتكر ذلك إن لزم الامر وأن توفر مستلزمات الشعب مهما كانت الظروف.
إنّ الأولوية القصوى اليوم والمهمّة المقدسة للحكومة هي الحفاظ على الأرواح إلى أن يأذن الله بأمر.

⁦✍️⁩طارق اليحياوي

شاهد أيضاً

لكي لا يختلط الزّيت بالماء

عبد اللطيف علوي  أنا مع كلّ كلمة وردت في بيان رئاسة الجمهورية اليوم بعد لقائه …

هل يفعلها سيادة الرئيس قيس سعيّد ويدخل التاريخ..؟

نصر الدين السويلمي  بكلمات كان يمكن للرئيس قيس سعيّد إفحام خصومه واستمالة الشعب وإظهار الحقّ، كان …

اترك رد