الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

وزير الصحّة المكّي يستنزف ربع ساعات عمله يوميّا في الإعلام..!!!

عبد اللّطيف درباله

7 من 9 حالات توفّوا بالكورونا في منازلهم لعدم وصول الإسعاف إليهم..

لم نسمع في التاريخ أنّ جنرالا أو قائدا عسكريّا ربح حربا وهو يتجوّل من إذاعة إلى تلفزة إلى استيديو.. فالحروب تخاض على الميدان.. لا في الإعلام..

العبرة بالنتائج لا بالعمل.. والنوايا الطيّبة لوزير الصحّة والعمل لساعات طويلة.. لا تكفي أمام قائمة طويلة من النقائص والثغرات بمنظومة مقاومة كورونا.. وحالات وفاة فقط نتيجة فشلها.. وأخطاء كارثيّة عديدة.. قبل حتّى أن تبدأ ذروة العاصفة..!!

منذ أسابيع.. لم يبق إلاّ أن تفتح الثلاّجة.. فيطلع عليك وزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي ليحدّثك عن الكورونا..!!!
مع التقدير للنوايا الطيّبة.. وللجهد البالغ الذي يعمل به وزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي.. فإنّ ذلك لا يكفي للأسف لمجابهة كارثة صحيّة خطيرة ومتشعّبة مثل مقاومة حالة انتشار وبائيّة واسعة وقاتلة لعدوى فيروس كورونا بتونس..!!
والمتأمّل لجدول عمل المكّي.. يلاحظ دون عناء أنّ الرجل لا يكاد يقضّي ساعة من وقته بتركيز كامل دون تشتّت فكري.. إلاّ ويقوم بحوار صحفي.. قد يطول أو يقصر.. من بضع دقائق.. إلى ما يزيد عن السّاعة.. حتّى أنّ الوزير يكمل سهرته كلّ ليلة تقريبا في استيديو إحدى التلفزات..!!
هادرا بذلك ساعات ثمينة من وقته يوميّا في الإدلاء بتصريحات إعلاميّة..!!

نحن ندرك تماما بأنّ نصف الحرب لمقاومة كورونا.. هي حرب إعلاميّة لنشر المعرفة والوعي وطرق الوقاية وحثّ النّاس على عدم التجمّع وعدم الخروج من المنزل وغيره.. لكن ليس بالضرورة أن يقوم وزير الصحّة نفسه وشخصيّا بكلّ ذلك المجهود الإعلامي.. فهناك مسؤولين ومديرين آخرين بوزارة الصحّة.. ويمكن أيضا تعيين طبيب مختصّ كناطق رسميّ باسم الوزارة.. ويكون عمله هو التفرّغ للإعلام..
أمّا الوزير.. فمهامه أكثر وأكبر.. وليس من حسن الإدارة أن يقضّي حوالي ربع وقته في مثل هذه الأزمة الخطيرة التي تنذر بكارثة غير مسبوقة.. أن يقضي وقته بين وسائل الإعلام.. يتحدّث.. أو يصرّح.. أو يجيب عن الأسئلة.. أو ينتظر اتّصالا هاتفيّا أو ربطا تلفزيّا.. أو يتنقّل لاستيديو ويبقى فيه لساعات.. في حين أنّ عمل الوزارة عموما.. ومنظومة مقاومة كورونا خصوصا.. تغرق في الكثير من النقائص والثغرات.. “القاتلة”..!!
وكلمة “القاتلة”هنا ليست مجازا.. وإنّما بالفعل لا بالقول..!!!
وإذا ما كان عبد اللّطيف المكّي يعتبر نفسه في “حرب ضدّ الكورونا” حقّا..!
وإذا ما كان بعض المعجبين به يلقّبونه اليوم بـ”الجنرال”..!!
فإنّنا لم نسمع في التاريخ أنّ جنرالا أو قائدا عسكريّا ربح حربا وهو يتجوّل من إذاعة إلى تلفزة إلى استيديو..!!
وإنّما الحروب تخاض على الميدان.. لا في الإعلام..!!
والمعارك تربح بالقتال الفعلي.. لا بالتصريحات الصحفيّة..!!

البعض يعتقد بأنّ العمل لمدّة عشرين ساعة يوميّا هو نجاح في حدّ ذاته.. حتّى دون اعتبار وتقييم النتئاج..!!
والبعض يعتبر بأنّ رؤية أو سماع وزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي في كلّ ساعة.. على مدار الأيّام.. يحكي عن الكورونا وخطط الوزارة والإجراءات والأرقام وطرق الوقاية والتحضيرات والتجهيزات.. يدلّ في حدّ ذاته على كسب المعركة.. حتّى دون أن نرى نتائج على الأرض..!!
لكنّ الكلام غير الفعل..!!!
إنّ الوزير المكّي يقوم في الحقيقة باستنزاف وقته وجهده وطاقته وتركيزه.. في نشاط إعلامي محموم غير مبرّر.. إلاّ إذا كان الغرض هو أن يملأ الشّاشة ويشغل النّاس.. لحسابات سياسويّة.. ولخلق شعبيّة ورصيد سياسي وجماهيري..!!
لكنّ المكّي إن قصد ذلك فعلا.. يجب أن يكون من الفطنة بحيث يدرك.. بأنّ تتالي الأخطاء.. واحتمال انقلاب الوضع إلى كارثة فجأة وحقّا.. قد يعطي مفعول عكسيّ تماما.. وسيقيّم النّاس المبهورين به اليوم.. حضوره الإعلامي الطّاغي بعد تكشّف الحقائق والنقائص والأخطاء.. وسيندهشون حينها كيف أضاع وأهدر المكّي كلّ ذلك الوقت في الإذاعات والتلفزات.. والخور والنقائص والثغرات تأكل في الأثناء منظومة مقاومة كورونا..؟؟!!

لا نعرف حقيقة ماهي هذه المادّة الإخباريّة التي لا تنتهي.. ليمكن للمكّي أن يحكي فيها لساعات يوميّا بالإعلام..؟؟!!
إنّه سيضطرّ على الأغلب إلى تكرار واجترار كلّ ما يقوله من وسيلة إلى أخرى..!!
بل وسيجرّ الصحفيّون الوزير حتّى إلى إرتكاب أخطاء اتّصاليّة وإداريّة شنيعة.. في محاولة لملأ الوقت.. وتحقيق السّبق الصحفي..!!!

كمثال.. فإنّ زير الصحّة كان ضيفا بأحد البرامج التلفزيّة ذات ليلة.. وصرّح بانّ هناك منطقة في البلاد تحوّلت إلى بؤرة لعدوى فيروس كورونا.. وأنّه سيقع عزلها ومنع الخروج منها والدّخول إليها.. لكنّه رفض الإفصاح عن اسمها..!!
وطبعا.. جرّ ذلك وسائل الإعلام والإعلاميّين إلى البحث عن معرفة تلك المنطقة.. ولم يطلع الصّباح إلاّ وكان اسم المنطقة وهو جزيرة جربة معروفا للجميع.. قبل أن تقوم قوّات الأمن والجيش بعزل الجزيرة فعلا على الميدان..!!
النتيجة كانت أنّ الكثير من المتواجدين بجربة من أصيلي ولايات أخرى.. أو من سكّان جربة نفسها.. سارعوا تبعا لذلك إلى مغادرتها فورا قبل أن يبدأ غلقها وعزلها.. ويُحاصَرُون فيها..!!
اتّضح لاحقا بأنّ العشرات قُبِض عليهم بالقيروان وسيدي بوزيد وتوزر والقصرين لخروجهم من المدينة.. إضافة إلى عشرت أو مئات آخرين غادروها ولم يمكن حصرهم أو معرفتهم حتّى الآن..!!
وتمّ تبعا لذلك تسجيل 5 حالات إصابة مؤكّدة في توزر لأشخاص غادروا العزل في جربة.. و5 حالات أخرى لأشخاص وصلوا إلى القصرين..!!
وهو ما يدلّ على الأرجح إلى احتمال وجود عشرات الحالات الأخرى ربّما.. في مناطق مختلفة من الجمهوريّة.. يحملون الفيروس.. ويتجوّلون بحريّة.. وينشرونه بين النّاس.. دون إمكانيّة التوصّل إليهم..!!
وما كان ذلك ليحدث لولا خطأ وزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي.. في “سهرة تلفزيونيّة” من سهراته الليليّة..!!

كما أنّ الجميع يعرف بانّ المستشفيات اشتكت من نقص المواد الطبيّة اللاّزمة للوقاية إلى ما قبل أيّام قليلة.. رغم مرور عدّة أسابيع.. وتصريحات وزير الصحّة المتكرّرة هو ومسؤولي الوزارة بأنّ الاستعدادات كاملة.. وكلّ الوسائل الطبيّة متوفّرة..!!
بل حتّى المسلك الصحّي الجديد داخل المراكز الصحيّة والمستشفيات للتوقّي من المرضى المصابين بالكورونا.. لم يقع إقراره إلاّ منذ أيّام قليلة.. بعد لخبطة وبلبلة طالت عدّة مستشفيات بالجمهوريّة.. أحيل بمقتضاها عشرات الأشخاص من الإطار الطبّي وشبه الطبّي إلى الحجر الصحّي لمدّة أسبوعين..!!
وقام الأطبّاء حينها برفع صوتهم بالتشكّي.. عبر خروجهم في الإعلام وعلى وسائل التواصل الإجتماعي للتنديد والتشهير بإهمال الوزارة وتأخرّها..!!

اليوم.. بتسجيل حالات وفاة جديدة بفيروس كورونا.. اتّضح بأنّ ما يقارب 7 من أصل 9 حالات لوفيّات.. ماتوا في الواقع بالكورونا في منازلهم.. قبل دخولهم المستشفى..!!
بل ومات بعضهم حتّى قبل إجراء إختبارات مخبريّة لهم في حياتهم..!!
ويرجع السّبب في ذلك أوّلا إلى النقص الفادح في فرق النجدة والإسعاف المعروفة برقم (190).. في ما يخصّ الموارد البشريّة وعدد سيّارت الإسعاف والتنظيم ومحدوديّة خبرة من يجيب على الاتّصالات..
فأغلب المتوفّين سبق وأن اتّصلوا برقم 190.. واشتكوا من أعراض الكورونا.. ومنها ارتفاع الحرارة وضيق التنّفس والإجهاد البدني.. لكنّ مستشاري فرق النجدة لا يأخذون تلك الأعراض بجديّة.. ويدعونهم إلى معاودة الاتّصال بهم إن تعقّدت حالتهم.. والحال أنّ تعقّد حالتهم للأسف قد يحصل سريعا.. وتتدهور وضعيّتهم بشكل قاتل.. قبل أن تتمكنّ سيّارات الإسعاف من الوصول إليهم ونجدتهم..!!
كما أنّ سياسة الوزارة تتجّه حاليّا إلى الاقتصارعلى قبول الحالات الخطيرة فقط بالمستشفيات.. رغم أنّ عددهم اليوم ليس كبيرا.. والأماكن شاغرة بالكثير من المستشفيات.. وهو ما سيؤدّي آليّا إلى تضاعف أعداد المتوفّين.. لأنّ من تتعكّر حالته وتصل إلى قصور شديد في التنفّس.. وإلى مهاجمة الفيروس بشراسة لجهازه التنّفسي ورئتيه.. قد لا يمكن إنقاذه إن وصل إلى درجة اللّا عودة.. حتّى وإن أدخل إلى العناية المركّزة لاحقا..
في حين أنّ نجدته واخضاعه للعناية الطبية في المراحل الأولى كان كفيلا بإنقاذ المريض قبل تعكّر حالته..!!
هذا دون أن نتحدّث عن مئات الملاحظات الموثّقة عن وصول سيّارات الإسعاف إلى المتّصلين الذي شكّوا في إصابتهم بالفيروس بعد أيّام كاملة من الاتصال برقم 190.. وثبوت إصابتهم عبر الاختبار المخبري لاحقا فعلا.. ممّا سمح للبعض منهم في الأثناء بنقل العدوى إلى أفراد عائلاتهم أو أشخاصا آخرين في الشّارع..!!

القائمة طويلة جدّا.. والنقائص عديدة وكارثيّة حتّى اليوم..
ولتأخذوا فكرة أفضل عنها من تلك الواردة بالتصريحات الورديّة في الإعلام.. يمكن أن تدخلوا لصفحات الأطبّاء المباشرين في المستشفيات العموميّة.. حيث المعلومات الصحيحة على الميدان.. والحقائق الصّادمة..!!
هذا في الوقت العادي.. ولا تزال الحالات بضع مئات فقط بعد أسابيع.. فكيف سيكون عليه الحال إن أصبحت بالآلاف لا قدّر اللّه.. وكان على سيّارات الإسعاف والمستشفيات والأطبّاء أن يسعفوا المئات من المرضى يوميّا..؟؟!!!
فهل جهّز وزير الصحّة وزارته لحالة الذّروة.. والأمور لا تزال في مرحلة “الهدوء الذي يسبق العاصفة”..؟؟!!
الوقت أفسح المجال واسعا لتونس قبل مداهمة ذروة العدوى لها.. وكان من الأجدر استغلال الوقت الثمين المتاح للتحضير.. والاستعداد.. وفعل ما لا يسهل فعله وقت الاضطراب..!!
كان على وزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي.. أن يركّز أكثر على الإشراف على عمل فرق الوزارة.. ومراجعتها أوّلا بأوّل.. والضغط عليها.. واستطلاع آراء جميع الأطبّاء.. مستغلاّ ساعات الإستنزاف الإعلامي الطويلة يوميّا في العمل الأهمّ..!!
تمنيّت مثلا أن يقوم الوزير المكّي بإجراء اتّصال برقم 190 ويشتكي من الأعراض.. ويحسب الوقت اللاّزم لتدخّلهم الذي قد يكون ساعات أو أيّاما.. أو بعد فوات الأوان.. أي بعد الممات.. كما حصل في 7 حالات كاملة من 9 حلات وفاة.. أي بأكثر من 70 بالمائة..!!!

يمكن لوزير الصحّة عبد اللّطيف المكّي أن يكتفي بتقديم الندوة الصحفيّة اليوميّة الرئيسيّة.. والتي تتناقلها بطبيعتها اليوم أغلب وسائل الإعلام الكبرى.. وأن يقوم بمداخلة واحدة أثناء النهار في إحدى وسائل الإعلام المنتشرة.. وأن يحضر برنامجا تلفزيّا واحدا مؤثّرا ليلا.. ولمدّة موجزة..
وفي ذلك ما يكفي وزيادة..!!
على أن يتولّى ناطق رسمي ومسؤولين آخرين مهمّة الإجابة على تساؤلات واستفسارات الإعلام طوال النّهار..
حتّى كبار المسؤولين بالوزارة المكلّفين بمهام كبرى في منظومة مقاومة كورونا.. يجب أن يخضعوا لنفس القاعدة.. وأن يقلّلوا من الظّهور الإعلامي.. وأن يتفّرغوا لأعمالهم الأصليّة.. ويركّزوا على تنفيذ ما يجب فعله بالسّرعة القصوى.. وبالشكل الأنسب.. اليوم قبل الغد..!!

فغدا.. ربّما لن يجدوا الوقت الذي يتنفّسون فيه.. لكن للأسف.. قد يكون الوقت حينها قد فات للكثير من الأرواح في تونس..!!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.