السبت , 19 سبتمبر 2020

عالم ما بعد كورونا المستجد في مفترق الطرق

طارق العبيدي

ثورة تقنية ذكية تدفعنا إلى الأرقى أو فوضى اجتماعية عارمة تعيدنا إلى البداوة

“أكبر لحظات التاريخ هي دوما اللّحظات التي تتكون
فيها وحدة كفاح شاملة ضد الطبيعة أو ضد البشر”.
فيلسوف الحضارة الجزائري المسلم مالك بن نبي.

لا يزال وباء كورونا المستجد يجتاح العالم بأسره من قرية إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى وبلدا بعد آخر وقارة تلوى أخرى، بنسق تصاعدي أسّي مخيف في ازدياد عدد المصابين الذي أصبح يقترب من المليون إصابة مؤكّدة بمعدّل وفاة خمسة بالمائة (5%) تقريبا، وهو لا يزال في بلدان الشمال التي تتفاخر بأنظمة صحتها العمومية المتطوّرة التي لها قدرة على الإنعاش وإمكانيات بشرية ومادّية هائلة، فما بالنا عندما يصل الاجتياح إلى بلدان الجنوب التي بالكاد لها نظام صحي عمومي لا يلبّي حتى ضروريات الرّعاية الصحيّة الأساسية وغير قادر على الإنعاش ويعاني من قلة الإمكانيات البشرية والمادية. وما يزيد الطين بلّه أنّ الأفق الزمني لهذه الجائحة العالمية غامض غموض فيروس كورنا المستجــــــد (كوفيد ـ 19)، وحتى الصين التي أعلنت انتصارها عليه في بدايات شهر مارس من سنة 2020 عادت في نهاية نفس الشهر لتتوقع موجة جديدة لهذا الوباء أكثر فتكا، وكثر حديث العلماء عن فيروس كورونا المستجد الغامض الذكيّ والذي يجدّد طفراته الجينية مع كلّ موجة ويطور قوّة فتكه بالإنسان من إقليم إلى آخر. وأصبحت تتشكلّ لدى الناس خيالات لنهاية العالم شبيهة بخيالات السنيما للحرب البيولوجية العالمية. ولكن، أيّ عالم هذا سينتهي ؟ وأيّ عالم جديد سيبتدئ ؟

في الواقع والحقيقة التي لا يجب علينا الهروب منها، نحن في حرب بيولوجية عالمية… ولكننا لا نعلم بعد أطرافها الحقيقيين، ولا نعلم بعد من هو عدوّنا فيها ومن هو صديقنا ؟ هل هي الطبيعة التي أرهقناها بالجشع والتلوّث وبالتعديل الجيني والاستنساخ تدافع عن نفسها ؟… وإذا صحّ ذلك فعلينا أن ننتبه إلى أنّ غضب الطبيعة علينا من غضب الله. أم هو الإنسان المادي الجشع المتوحّش كشّر على أنيابه من جديد لإعلان القواعد الجديدة للعبودية على هذه الأرض ؟… في الحالتين وسواء كانت هذه الحرب هي الحرب المقدّسة للطبيعة من أجل استرجاع شرفها البيولوجي أو هي الحرب المدنّسة للإنسان المتوحش من أجل الحفاظ على مهانته المادية، فلا توجد في التاريخ حربا عالمية دون عاد وعادل ودون خاسر ورابح ودون وجهة جديدة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وبالطبيعة على هذا الكوكب الأزرق. نحن إذن، أمام لحظات تاريخية كبرى، وكما يقول فيلسوف الحضارة الجزائري المسلم مالك بن نبي “أكبر لحظات التاريخ هي دوما اللّحظات التي تتكون فيها وحدة كفاح شاملة ضد الطبيعة أو ضد البشر”. فهل أنّ الاجتياح العالمي لوباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد ـ 19) سيدفع الإنسان المعاصر بما له من روح أخلاقية وإمكانيات تكنولوجية ذكيّة إلى تكوين وحدة كفاح شاملة ضد شرور البشر أو ضد شرور الطبيعة أو ضدّهما معا ؟ وكيف له ذلك وهو في قلب عاصفة الوباء وسفينته المعاشية والإنسانية مهدّدة بالغرق في أعماق محيط الانهيار الاقتصادي العالمي والانفجار الاجتماعي الشامل.

إلى حد هذه السّاعة فإنّ كل سيناريوهات مكافحة وباء كورونا المستجد التي نصح بها العلماء وصادق عليها ساسة العالم تتمحور حول غلق الحدود وإيقاف حركة تنقل الأشخاص والسلع بين الدول وفرض التباعد الاجتماعي والعزل الصحي في كلّ البلدان، وهي أمور تتطلب إيقاف الحياة الاجتماعية بالكامل واقتصارها على الضروريات المعاشيّة الأساسية والإنسانية، وتضع في حسبانها خسائر اقتصادية عالمية شاملة وكبيرة جدّا مع فقدان العمال لمراكز عملهم، ما يهدد بتدمير الاستقرار الاجتماعي في كل أنحاء العالم وخروج الأوضاع الشعبية عن السيطرة وما يستتبعها من ثورات وحروب من أجل العيش. لن يقوى الناس على البقاء في العزل الصحّي مدّة طويلة سواء بتوفّر موارد الرّزق القارة أو بدونها، ولن تقوى الدّول الغنية منها والفقيرة على تلبية كل الأوضاع الاجتماعية لفترة طويلة والعجلة الإنتاجية والاقتصادية متوقفة. وسيضطر الناس إلى كسر قواعد الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي للخروج سعيا وراء طرق العيش والاحتجاج والتعبير عن مطالبهم الحياتية، كما ستضطر الدول قبل أن تنهار إلى استعمال القوّة والسلاح للسيطرة على الأوضاع. وإذا اشتدت الأزمة فإنّنا سنرى شيء فشيء موجات هائلة من النزوح الشعبي من أطراف العواصم والمدن التجارية والصناعية الكبرى في شمال الكرة الأرضية وجنوبها إلى المدن الصغرى والقرى والأرياف التي قدم منها آبائهم وأجدادهم عقب الترتيبات الاقتصادية التي تلت الحرب العالمية الثانية. كلّ هذه التوقعات مرتبطة بمدى تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد ـ 19) ومدى فتكه بالإنسان وانهيار قدرة الإنعاش في المنظومات الصحية وطول مدّة العزل الصحي والتباعد الاجتماعي وحدّة نسق الانهيار الاقتصادي الوطني والدولي يوما بعد آخر.

هذا الوجه المظلم يبدو حتى الآن جليّا أمام أنظار كل العالم، ولكن عاصفة وباء فيروس كورونا المستجد بالبلدان الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي تتصدر العالم في الإحصائيات المعلنة لتفشي الوباء تليها البلدان الأوروبية الصناعية وأهمها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا، تجعلهم مهتمين ومنشغلين بإنقاذ السفينة من الغرق وإخراجها من العاصفة حتى وإن كان ذلك في الاتجاه المظلم. ومن يمتلك البوارج الحربية وأسلحة الدمار الشامل لا يخاف عادة من سبر الأغوار المظلمة.

هذا العالم الذي سنغادره، رغم كلّ الخراب الاستعماري الذي خلفه الشمال الناهب في كلّ أصقاع كوكب الأرض لا يمتلك فقط البوارج الحربية وأسلحة الدّمار الشامل وأسرار الكواكب الأخرى، بل هو يمتلك أيضا وهذا هو الأهم التقنية الذكية التي بإمكانها أن تقلب أبجديات الاقتصاد في كلّ القطاعات رأسا على عقب، بدء بالعمل والإنتاج مرورا بالاقتصاد النقدي وصولا إلى المبادلات والاستهلاك.

وعندما تنقلب أبجديات الاقتصاد رأسا على عقب فإنّ مفهوم الدولة سينقلب ومفهوم النظام العالمي سيتغيّر. ولكن هذه التقنية المادية الذكية إذا لم يكن جوهرها أخلاقي معنوي فإنّ العودة إلى البداوة ستكون أخف وطأ منها على البشرية. إنّ العالم الآن ولا شك عندي في ذلك على شفى الحرب المقدّسة من أجل إستدراج كوكبنا الأزرق لشرفه البيولوجي إمّا بتسخير الثورة التقنية الذكية لخدمته أو بالعودة إلى البداوة. وحدهم الجبناء هم اللذين لا يخوضون الحروب المقدّسة فيفقدون الشّرف، ووحدهم الشجعان هم اللذين يخوضون الحروب المقدّسة فيسترجعون الشرف.

شاهد أيضاً

الوباء انتهى أم لا ؟

مصدق الجليدي  أنا أجيبكم: ثمة علماء يقولون بأن وباء الكورونا انتهى بمعنى أن هنالك عدوى …

كيف نسترجع كل ما افتكه منا الكوفيد 19 ؟

عبد اللطيف المكي وزير الصحة فبعد نجاح مرحلة الدفاع والصمود بدأنا مرحلة حرب التحرير، تحرير …