الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

بيان بلغة نوفمبريّة بنفسجيّة عن رئاسة الجمهوريّة في زمن قيس سعيّد..!!!

عبد اللّطيف درباله

حتّى لا نستفيق يوما على بيانات رئاسيّة تتحدّث عن “النظرة الإستشرافيّة” و”السياسة الحكيمة” و”إنجازات” الرئيس قيس سعيّد.. والكذا والشيء.. كما كانت بيانات رئاسة الجمهوريّة في عهد ما قبل الثورة..!!

تضارب روايات رئاسة الجمهوريّة ووزارة الخارجيّة مع بعضهما البعض.. ومع حقائق الأخبار وتأكيد سفارة الصّين في تونس.. في موضوع تبرّع ملياردير صيني بمعدّات طبيّة لتونس.. بما يعكس اضطرابا.. وعدم قدرة على إدارة حتّى مسائل صغيرة.. فكيف بإدارة أمور أكبر وأهمّ وأخطر..؟؟

يوم أمس السّبت 28 مارس 2020 وصلت إلى تونس طائرة قادمة من أثيوبيا محمّلة بكميّة من المعدّات الطبيّة لمقاومة فيروس كورونا.. مهداة من طرف مؤسّسة “جاك ما” الخيريّة (Jack Ma).. ومؤسّسة “علي بابا” (Alibaba).. الخيريّة.. وهما جمعيّتان صينيّتان.. تمثّل كلّ من شركة “علي بابا” التجاريّة العملاقة الشهيرة.. المختصّة في التجارة الإلكترونيّة والبيع على الانترنت على مستوى العالم.. ومؤسّسها وصاحبها الملياردير العصامي الصيني “جاك ما”.. الذي يعدّ أغنى رجل بالصّين..
حقيقة الواقعة بحسب وسائل إعلام دوليّة متطابقة.. أنّ الجمعيّات الصينيّة الخاصّة المذكورة قامت بمنح هبة من المواد الطبيّة الوقائيّة للدول الإفريقيّة عبر منظّمة الاتّحاد الإفريقي.. ومن بينها تونس..
وقد قامت بها باعتبارها مؤسّسات خاصّة.. وذلك في إطار حركة تبرّع وهبات واسعة جدّا.. شملت عدّة بلدان إفريقيّة..
لكن ولضرورة لوجستيّة.. فقد تمّ تجميع وتوزيع المساعدات إنطلاقا من العاصمة الأثيوبيّة.. بتنسيق بين المؤسّسة الخيريّة الخاصّة وبين الحكومة الأثيوبيّة والحكومة الصينيّة وسفاراتها في العالم ومنظمّة الاتّحاد الإفريقي..

المدهش أنّ رئاسة الجمهوريّة التونسيّة نشرت بيانا رسميّا على صفحتها على موقع الفايسبوك أمس السبت على السّاعة (15h15).. معلنة وصول تلك المعدّات إلى تونس.. لكنّها غيّرت السياق تماما.. فقد جاء في البيان الرئاسي حرفيّا:
“وتعرب رئاسة الجمهورية عن عميق ارتياحها لهذا الدعم الذي يعكس البعد الإنساني في سياسة جمهورية الصين الشعبية التي استجابت دون تردد وبأقصى سرعة لطلب رئاسة الجمهورية لحماية الإطار الطبي وشبه الطبي ولكافة الإطارات والأعوان في مختلف القطاعات الأخرى الذين يقفون في الصفوف الأمامية في هذه الحرب التي تخوضها الإنسانية جمعاء”..
أيّ أنّ بلاغ رئاسة الجمهوريّة أظهر هبة المعدّات من الجمعيّة الصينيّة الخيريّة الخاصّة.. وكأنّها استجابة من الحكومة الصينيّة نفسها.. أي على المستوى الرسمي.. لطلبها.. وثمّنت سياسة الدولة.. عوض أن تشكر مبادرة الشخص وشركته وهما أصحاب الفضل في التبرّع لا الحكومة الصينيّة..!!
ومن يقرأ البلاغ الرئاسي.. يفهم من نصّه وسياقه بأنّ رئيس الجمهوريّة طلب من الصّين المساعدة “لحماية الإطار الطبي وشبه الطبي ولكافة الإطارات والأعوان في مختلف القطاعات..”.. فاستجابت الحكومة الصينيّة لطلب الرئاسة بسرعة.. وأرسلت هبة المعدّات الطبيّة إلى تونس بالذّات.. أي من دولة إلى دولة.. !!
والحال أنّ الهبة والتبرّع كان من جمعيّة خاصّة.. لرجل أعمال وشركته الصينيّة.. وليس من الحكومة الصينيّة… وهي بالتالي ليست هبة رسميّة.. ولم تأت استجابة لطلب الرئيس التونسي.. ولم توجّه خصّيصا لتونس فقط استجابة لطلب الرئيس.. بل شملت أغلب البلدان الإفريقيّة.. ومن بينها تونس.. كما يؤكّده في المقابل بلاغ سابق لوزارة الخارجيّة نفسها..!!

بلاغ رئاسة الجمهوريّة يأتي رغم صدور بيان رسميّ سابق عن وزارة الشؤون الخارجيّة التونسيّة.. نشر على صفحتها على الفايسبوك ليلة أوّل البارحة الجمعة على الساعة (22h24).. ويعلن حرفيّا ما يلي:
“تتسلم تونس غدا السبت 28 مارس 2020 مساعدات طبية من الإتحاد الإفريقي تتمثل في أقنعة لحماية الوجه ووسائل اختبار وبدلات واقية وذلك لمساعدة بلادنا في مقاومة تفشي جائحة كورونا. وقد تم تمويل هذه المساعدات التي انتفعت بها كل الدول الإفريقية من قبل مؤسّسة خاصة صينية.”..
أي أنّ البيان الرسمي للخارجيّة التونسيّة يعطي بوضوح رواية مغايرة لرواية رئاسة الجمهوريّة..!!
لكنّ وزارة الخارجيّة بدورها تحرّف الوقائع.. وتغيّر سياق الحادثة.. إذ جاء في بيانها بأنّ المساعدات من الاتّحاد الإفريقي.. وأنّ التمويل كان من مؤسّسة خاصّة صينية..والحال أنّ المساعدات هي من مؤسّسة خيريّة صينيّة خاصّة.. ووجّهت للإتّحاد الأفريقي من أجل توزيعها على دوله الأعضاء ومن بينها تونس..!!
كما لوحظ أنّ وزارة الخارجيّة التونسيّة امتنعت حتّى عن ذكر اسم المتبرّع الصيني واكتفت بالإشارة إلى أنّه مؤسّسة خاصّة..!!
أي أنّ مؤسّسة أجنبيّة تتبرّع بما قيمته المليارات لتونس.. وتونس كدولة تبخل في المقابل حتّى بمجرّد ذكر اسم المؤسّسة حتّى لا يحسب أنّه إشهار تجاري مجانيّ لشركة خاصّة.. وهو ما يعدّ قمّة عدم الإعتراف بالجميل.. رغم أنّ الشركة الصينيّة العالميّة العملاقة لا تحتاج أصلا إلى إشهار من الحكومة التونسيّة..!!
وحتّى من ناحية الذكاء والمصلحة.. فإنّه كان على الدولة التونسيّة ووزارة الشؤون الخارجيّة.. وحتّى الحكومة ورئاسة الجمهوريّة.. أن تثمّن تبرّع رجل الأعمال الصيني “جاك ما” وشركته “علي بابا” وأن ترفع اسمه عاليا.. لإظهار امتنانها.. ولتشجيع شركات أخرى قد تكون لها مصالح تجاريّة بتونس على السير على منوالها والتبرّع بدورها..!!

أيّا كان.. فإنّ السفارة الصينيّة بتونس.. نشرت الرواية الصحيحة التي تفنّد بلاغ رئاسة الجمهوريّة.. وتخالف بيان وزارة الخارجيّة التونسيّة..!!!
فقد جاء في صفحتها على الفايسبوك بتاريخ أمس السبت 29 مارس 2020.. المنشور على السّاعة (18h33).. أنّ موادا طبيّة لمقاومة كورونا مهداة من جمعيّة “جاك ما” وجمعيّة “علي بابا” الخيريّة.. الصينيّتان.. وصلت إلى تونس يوم السبت 29 مارس.. وأنّ كميّة المواد تتضمّن 100 ألف قناع جراحي و20 ألف اختبار و741 زيّ وقائي و1100 قناع لحماية الوجه.. وأنّها سلّمت للصيدليّة المركزيّة التونسيّة.. وتمّ التسليم بحضور سفير الصين بتونس “وانغ وانبين”..
أي أنّ سفارة الصّين بنفسها.. لم تحاول أن تدّعي بأنّ تلك المعونة والهبة الطبيّة تأتي في نطاق رسمي من حكومة الصّين.. ولا أن تستغلّ الفرصة لإظهار قيام الصّين كدولة بمساعدة تونس تحقيقا لأغراض سياسيّة وبروباغندا..!!
ولكنّ السفارة الصينيّة كانت أمينة بنقل الوقائع.. وهو أنّ الأمر يتعلّق بهبة خاصّة لا رسميّة.. للمواد الطبيّة.. قدّمتها مؤسّسات خيريّة خاصّة هي جمعيّة “جاك ما” وجمعيّة “علي بابا”..!!
كما لم تذكر سفارة الصين بتاتا أيّ علاقة لرئيس الجمهوريّة التونسيّة بتلك الهبة.. وكان يمكن لها لو كان الأمر صحيحا أن تفخر بأنّ الحكومة الصينيّة استجابت لطلب رئيس الجمهوريّة التونسي لتقديم المساعدة.. لكنّ ذلك لم يحدث أصلا..!!
وطبعا يعدّ بيان سفارة الصّين بتونس نفيا صريحا لما أورته وزارة الخارجيّة من كون تلك المعونة جاءت من الاتّحاد الإفريقي.. وهو ما يثبت بأنّ المنظّمة الإفريقيّة كانت مجرّد وسيط لتوزيع الإعانات على البلدان الأعضاء فيها ليس أكثر..!!!

الحقيقة أنّ هذا التضارب بين مؤسّسات الدولة.. وعدم الدقّة.. في مجرّد خبر عن هبة بمواد طبيّة لتونس.. ليس مجرّد تفاصيل صغيرة لا تستحقّ التعليق.. وإنّما يظهر على العكس من ذلك تماما.. وبوضوح.. مدى التخبّط الذي تعانيه رئاسة الدولة والحكومة في أشياء بسيطة.. فكيف الحال بإدارة ما هو أكبر وأخطر وأهمّ..؟؟؟!!!
ويعكس أيضا بأنّه إذا تواصلت هذه الممارسات في فريق رئاسة الجمهوريّة.. والرغبة في التزويق والتجميل بلا سبب.. فقد نستفيق يوما في تونس على قراءة بيانات رئاسيّة في عهد قيس سعيّد تتحدّث عن “نظرته الإستشرافيّة” و”سياسته الحكيمة”.. و”إنجازات فخامته”.. والكذا والشيء.. كما كانت بيانات رئاسة الجمهوريّة في عهد ما قبل الثورة..!!!

بيانات رئاسة الجمهوريّة ووزارة الخارجيّة وسفارة الصّين في تونس..

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.