الإثنين , 30 نوفمبر 2020

إياك أعني يا وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني فهل من مجيب ؟

رضا الكزدغلي

وقبل البداية أدعو كل الناشطين في المجتمع المدني لسعة الصدر في الاطلاع على هذا النص المطوّل والنشر والتوزيع.

اطلعت على البلاغ الصادر السبت 28 مارس 2020 عن وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني والمتعلق بفتح المجال للجمعيات ونشطاء المجتمع المدني للانضمام الفردي للعمل التطوعي على مستوى الجهات والولايات بالتنسيق مع فريق اختارته الوزارة لمساندتها “في الحملة الإعلامية لانتداب المتطوعين وفرز الترشحات واقتراح القائمة النهائية بالإضافة إلى تأمين التنسيق الهرمي مع المتطوعين”.
(انظر نص البلاغ في الاسفل)،
و بعد التدقيق في مضمون البلاغ ومن خلال استعادة سريعة لما أمكن لي معرفته من معطيات وآليات نشاط مدني وتطوعي خلال فترة إشرافي على مركز إفادة للجمعيات (جويلية 2013-فيفري 2015) وما أعرفه أيضا من خلال المتابعة الدورية لديناميكية المجتمع المدني في تونس وأنشطة الوزراء السابقين من ذوي العلاقة من كمال الجندوبي إلى المهدي بن غربية وغيرهم.

توقفت عند الملاحظات التالية :

1. إن دور وزارة تعني فيما تعني بالعلاقة مع المجتمع المدني تقف مشمولاتها عند حدود الدعم والتنسيق والتشاور والعمل المشترك لتقوية أداء المجتمع المدني في العمل التطوعي وغيره وهي ليست مدعوة بالتالي لنسف المنظومات القائمة وإعادة بنائها هيكليا بصفة أحادية وغير تشاركية في الخيارات والاختيار للموارد البشرية وغيرها من المهام العمودية في العمل الوزاري. فالمجتمع المدني قد كسب استقلاليته منذ صدور المرسوم 88/2011.

2. بناء على ما سبق لماذا إذن هذا الفريق المكلف بمساندة الوزارة في الاختيار والبناء الهيكلي لمنظومة جديدة للعمل التطوعي في المجتمع المدني؟ هل هو إعادة لصنع العجلة؟ وحتى إن تم القبول به نظريا، كيف تم اختيار أعضائه ؟ وهل تم الاتفاق على شروط وآليات عمله حتى لا يكون آلية إقصاء وانتقاء سياسي أو فكري وأيديولوجي؟.

3. ما أعرفه وما يعرفه الجميع أن بلادنا تسجل بكل اعتزاز في سجل نشاطها التطوعي وجود منظومة قائمة للعمل التطوعي تستند رسميا على عمل اللجنة الوطنية لمجابهة الكوارث وتنظيم النجدة ومدنيا على نشاط الجمعيات مثل الهلال الأحمر التونسي والاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي UTSS والكشافة التونسية وغيرها، فلماذا نسف ما هو موجود وتعويضه بتنسيقيات جديدة فردية غير مدربة وغير جاهزة فعليا لخوض غمار الدعم لمجهودات الدولة في مكافحة وباء الكورونا ؟ من سيدرّب هذه التنسيقيات؟ من سيشرف عليها؟ من سيضمن التأمين “assurance” لنشاط العاملين فيها؟ هل ستتحمّل الدولة الكلفة المالية لهذا الأمر ؟ ثم وهل لنا الوقت الآن أصلا للنّسف وإعادة البناء؟

4. ألا تعتبر هذه المبادرة سحبا لصلاحيات وأعمال السلطات الجهوية والمحلية من ولاة ومعتمدين وبلديات وإعاقة فعلية للمجهود الوطني القائم حاليا حتى وإن كان ذلك بصفة مؤقتة خشية أن يكون المؤقت الذي يدوم؟

5. ألا تعتبر هذه المبادرة أيضا انقلابا على عمل مؤسسات عريقة في مجال العمل التطوّعي واستنقاصا لها بالتوجّه المباشر لمنظوريها وليس لها مباشرة وهي للتذكير عضو دائم في اللجنة الوطنية لمجابهة الكوارث وتنظيم النجدة.

6. إذا كانت وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني تريد تحقيق هدف الانتشار العمودي بالجهات فلماذا تستعجل ذلك الآن تحت مبرر أزمة الكورونا ولماذا لا يتم إنضاج المشروع لاحقا بالتنسيق والتشاور مع كل الأطراف ذات العلاقة؟

7. ما هو رأي وزارات الشؤون الاجتماعية والشؤون المحلية والداخلية والشباب والرياضة وهل تمت استشارتها بوثيقة مكتوبة لبيان الأسباب حول مشروع كهذا كما تجري به العادة في العمل الحكومي ؟ وهل يمكن الاطلاع على ردود هذه الوزارات لنفهم خلفية تفكير كل وزير ومدى استيعابه لدوره وصلاحياته ومحاسبته عند الاقتضاء. فالوزارة وزر وأمانة.

8. وماذا سيكون موقف الجمعيات عموما من محاولة تدجين عملها وهي الحريصة كل الحرص كما نعرفها على استقلاليتها؟

9. ماذا سيكون أيضا موقف المجلس العلمي لمركز إفادة للجمعيات الذي يمثل ضمانة استقلالية المركز العلمية تجاه سلطة الدولة ؟ هل ستستشير المديرة العامة الجديدة المجلس سريعا ولو كتابيا قبل انعقاد دورته العادية أم ستكون في أريحية بموقع “الرجاء عدم الاحراج”.

10. نرجو من الله أن يكون وباء الكورونا مؤقتا وتتولى أمره الهيئة الوطنية الجديدة المستحدثة مؤخرا للأمر المستعجل، لكن أن يصبح غطاء الوباء مدخلا لمراجعات عميقة غير واضحة الأهداف وربما مطيّة للتموقع السياسي والفكري والأيديولوجي، فذاك أمر فيه رأي وتقدير ويستدعي يقظة وانتباها.

11. أخيرا وليس آخرا، لا يمكن للمتابع أن لا ينتبه لفحوى النص الذي أصدرته بكل احترام وتقدير لحريتها في ذلك مجموعة من الجمعيات ذات التوجه اليساري المعروفة في أنشطة المناصرة المدنية والتي تدعو من خلاله لإنشاء مجلس علمي لدعم جهود الدولة في مكافحة الكورونا وتنوّه بالخصوص في مبررات هذه الدعوة أنها يجب أن “تَمنع كلّ الاعتبارات والقرارات المتردّدة وتبذير الإمكانيّات وكلّ أنواع التّنافر وتُملي ضرورة الوثوق بكلمة علمائنا التي يجب أن تتفّوق على أّيّ خطاب آخر. فالعلم يُوجّه في جميع أنحاء العالم خطى أصحاب القرار وسلوك المواطنين. وقد ندم كّل من لم يُصغي لصوت العلماء وسوف يندم على ذلك بمرارة كّل من لن يُصغي إليهم في مكافحة الكورونا”

•• كلام جميل لو نفهم معنى كلمات معينة والجهات المقصودة بها مثل: التردّد والتبذير والتنافر والخطاب الآخر.
•• فهل المقصود من ذلك وزارة الصحة فيما يخص الاعتبارات والقرارات والتبذير ؟
•• وهل المقصود بالخطاب الآخر، خطابات الشحن الايمانيّ في المرافقة النفسية للمواطنين في فترة الحجر الصحي التي تدعو لها وزارة الشؤون الدينية وكل سكان تونس من علماء ومثقفين ونشطاء ؟
•• وهل نجرأ على الإشارة إلى أن المقصود بتنسيقيات التطوع المدني التي دعا لها بلاغ وزارة العلاقة مع المجتمع المدني تهميش عمل وزارات معينة في الائتلاف الحكومي مثل وزارة الشؤون المحلية ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الشباب ؟
•• اللهم أنر سبيلنا لفهم ما يحصل حتى لا نكون في موقع من يخدعه الخبّ الذي يختفي تحت لافتة مكافحة الكورونا.

شاهد أيضاً

بين الاستقواء والمناصرة خيط فاصل اسمه السيادة

رضا الكزدغلي  معذرة عن الإطالة فقد يحتاج الموقف تفصيلا مُمِلا لكنه يفرض ذاته : إذا …

لو كنت.. لأفكر بمنطق قرن من الزمن

رضا الكزدغلي  لو كنت… لقلت بأننا لسنا أفضل من أمم وأجيال سبقتنا عرفت من أهوال …

اترك رد