الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

هواجسُ جالسٍ في بيتِهِ

نضال السعيدي

“في البيتِ أجلسُ
لا حزينًا لا سعيدًا
لا أنا أو لا أحَدْ ..”.

هكذا يصفُ محمود درويش ما انتابهُ من مشاعرَ بمناسبةِ يومِ الإجازةِ الأسبوعيّةِ يومِ الأحَدِ في قصيدتهِ التي عنوانُها “في البيتِ أجلسُ”. والأكيدُ أنَّ الشاعِرَ ما كانَ ليتوقّعَ أنَّ هذه القصيدَةَ بعدَ سنواتٍ منْ موتِهِ البيولوجيّ ستكُونَ ناطقةً بلسانِ عدد هائلٍ منْ سكّانِ هذا الكوكَبِ، فرضت عليهم الحكوماتُ التي ترسُم شكلَ حياتِهم حظر التجوالِ وحوّلت كاملَ أيّامهم أيّامَ أحَادٍ لممارسةِ التثاؤبِ وتجريبِ أوضاعٍ مختلفةٍ للاستلقاءِ على الأرائكِ، بسببِ وباءِ الكورونَا.

وككثيرينَ اجتهدتُ لأجعلَ من هذه الإقامةِ الجبريّةِ في البيتِ عُزلةً صاخبةً بالتفكيرِ في بعضِ المسائلِ الرّاهنةِ.

1. الطبيعةُ والشرّ 
تدفعنَا أزمةُ الوباءِ العالمِيِّ إلى إعادةِ التفكيرِ في أصلِ هذا الشرِّ، ما يستدعِي منَّا دونَ شكِّ البحثَ فِي ماهيّةِ الطبيعةِ نفسهَا وموقفِنَا منها، وليسَ هذَا بجديدٍ في تاريخِ الفكرِ البشريِّ فقد دأبَ الفلاسفةُ القدامَى من الإغريقِ ومن بعضِ منْ ورثوا عنهُم رؤيتهم للعالمِ من الديكارتيّينَ على اعتبارِ الطبيعةِ كائنًا حيًّا عظيمًا ذا نظام دقيقٍ متناسقٍ (الكوسموس). ما جعلهم يؤسّسون منظوماتهم المعرفيّةَ والأخلاقيّة والجماليّةَ على محاكاةِ هذا النظامِ الدقيقِ بلْ إنّهم عليها نظّمُوا مُدنَهُم ورتّبُوا الفئاتِ الاجتماعيّة فيها على طبقاتٍ.

غيرَ أنَّ هذه النظرةَ الإيجابيّة المثاليّة إلى الطبيعةِ انتهتْ على يدِ فلاسفةِ الحداثةِ الذينَ نزعُوا عنها التناسُقَ وجرّدُوها من التناغُمِ وأكّدُوا -وعلى هذَا قام مشروع كانط الفلسفيُّ- أنّها فوضَى في حاجةٍ إلى عقلٍ يضعُ النّظامَ فيها ويعيدُ بناءَ تصورّنَا لهَا بناءً منطقيًّا سببيًّا للسيطرةِ عليهَا وكفِّ أذاهَا وتسخيرِها، وهذهِ مهمّة العلمِ. وإذنْ، فإنَّ معركةَ الطبِّ مع الكورونَا في عالمنَا الرّاهنِ ليست سوَى فصلٍ من فصولِ الصّراعِ المرِّ القديمِ الجديدِ بينَ العقلانيّةِ والفوضَى بينَ جُهدِ الإنسانِ في تنظيمِ الظواهرِ و تفلُّتِها هيَ منَ النظامِ.

2. البيتُ : منَ الهامشِ إلى المركزِ
منذُ أنْ أصبحتِ العولمةُ الرأسماليّةُ واقعًا بشريًّا يطوِي الجغرافيَا ويفكّك تاريخَ الأممِ الهوويَّ، ومنذُ أنْ فقدَت فكرةُ الوطنِ القوميِّ ثقلَها في حياةِ الإنسانِ لصالحِ “المواطنةِ العالميّةِ”، بدأت “فكرةُ البيتِ” وما تعلّق بها من أدوارِ في المجتمعاتِ الكلاسيكيّةِ تنزاحُ نحو الهامشِ كلّما انتزع منها نمطُ الحياةِ الجديدُ دورًا من أدوارِها، فقد افتكّت المؤسّسات التعليميّةُ الحكوميّةُ والمحاضنُ ووسائلُ التواصُلِ الاجتماعيِّ من البيتِ دورهُ التربويَّ وحَرَمتهُ من وضعِ بصمتهِ بوضوحٍ في شخصيّةِ الإنسانِ الذي تنتجُهُ. وقد افتكّ منهُ “الخارجُ” أدوارَهُ الحيويّةَ، من ذلكَ على سبيلِ المثالِ أنّ محلّاتِ الوجباتِ السريعةَ نابَتْهُ في إطعامِ الإنسانِ على نحوٍ بيولوجيٍّ صِرْفٍ كبديلِ عن مائدةِ الطعامِ الأسريّةِ وآدابِ الأكلِ وإيتيقَا المشاركةِ، وأنَّ النُزُلَ كأمكنةٍ وظيفيّةٍ للاستعمالِ المؤقّتِ مجرّدةٍ منَ الذاكرةِ والمعنَى أخذت مكانهُ في إيواءِ الإنسانِ لأنّها متناسقةٌ معَ السّرعةِ التي يتّسمُ بها نمطُ الحركةِ الحديثُ في المكانِ من جهةِ أنّهُ “خفّة لا تُطاقُ” بعبارةِ ميلان كونديرَا.

لقد انتقلَ البيتُ عمومًا من فضاءٍ اجتماعيٍّ أخلاقيٍ حميميٍّ إلَى مجرّدِ فضاءِ وظيفيٍّ للإقامةِ المؤقّتةِ وأفرغَ من كلِّ معانيهِ الإنسانيّةِ. ولعلَّ فراغَ البيتِ منْ فراغِ الإنسانِ الحديثِ منَ الداخلِ، فراغٍ يستنجدُ فيهِ بمصّمميِ الديكُورِ ليحاولُ ملأهُ بالقيمةِ المادّيةِ: بالأثاثِ الباهظ والألوانِ.

لقدْ مكّن عطبُ العالمِ فِي هذهِ الفترةِ الإنسانَ من العودةِ إلى البيتِ كعودةِ إلى الذاتِ والإفلاتِ منْ هيمنةِ “الخارجِ” الرأسماليِّ نسبيًّا حتّى وإن كانَ في مقدورهِ التسلّل عبرَ الشاشاتِ.

3. الجلوسُ في البيتِ كعملٍ أخلاقيٍّ
يحاولُ خطابُ الحكوماتِ في بلدانٍ مختلفةٍ منَ العالمِ نقلَ مسألتيْ الحجرِ الصحِّي وحظرِ التجوالِ في هذه الفترةِ من مساحةِ النقاشِ السياسيِّ إلى مساحةِ النقاشِ الأخلاقيِّ باعتبارِ أنَّ الإنسانَ الذي تنتزعُ منهُ حريّتهُ في التنقّلِ مطالبٌ بالمكوثِ في البيتِ كواجبٍ أخلاقيٍّ عليهِ أنْ يتحمّلَ متَى تملّصَ منْ هذا الواجبِ أعباءَهُ كأنْ يتسبّب في الإضرارِ بصحّةِ من حولَهُ من أقربائهِ على وجهِ الخصوصِ وربّما في قَتْلِهم. فيوضعُ السّلوكُ الفرديُّ داخلَ مساحةِ تأثيرٍ واسعةٍ بقصدِ الضبطِ الأخلاقيِّ لهُ والتحكّمِ فيهِ يقينًا في أنّ قوّة الإكراهِ الماديّة عاجزةٌ بمفردِها عنْ ذلكَ.

من جهةٍ أخرَى يعودُ النقاشُ الأخلاقيُّ بقوّةٍ عندَ الحديثِ عن جيشِ العاملينَ في قطاعِ الصحّةِ على وجه الخصوصِ من الذينَ يواجهُونَ يوميًّا احتمالَ الإصابةِ بالمرضِ وما يرافقُهُ من مشاعرَ إنسانيّةٍ طبيعيّةٍ كالخوفِ والقلقِ. فهذا الجيشُ يقومُ بدورهِ لا منْ بابِ الضرورةِ فحسبُ (يمكنُ التملّص من هذا الإكراهِ بطُرُقِ شتَّى كما حدثَ في بلدانٍ كثيرةٍ) بلْ من بابِ الالتزامِ الأخلاقيِّ الذي يصلُ إلى درجةِ التضحيةِ بالنّفسِ في سبيلِ سلامَةِ الآخرينَ الذينَ يستلقونَ على أسرّةِ المرضِ في المستشفياتِ أو على أسرّةِ الكسلِ فِي المنازلِ.

من هُنَا يُمكنُ أنْ نتحدّثَ عن عودةِ صورةِ “البطلِ الأخلاقيِّ” الذي تحدّثَ عددٌ من مفكّري ما بعدَ الحداثَةِ عنْ تراجُعِهِ وربّما اندثارِهِ في مقابلِ صعودِ صورةِ “النّجم” المشحونِ بادّعاءاتِ البروباغندَا الإعلاميّةِ.

شاهد أيضاً

مراحل تصرّف المناعة مع فيروس كورونا

حاتم الغزال  على ما يقارب 40 مليون حالة إصابة مؤكدة بالكورونا حول العالم هناك حالتان …

الحجر التام يدل على عدم فهم الفيروس

ذاكر اللاهيذب  الأرجنتين عملت أطول حجر صحي عرفه العالم، 6 أشهر كاملة حطمت فيها إقتصادها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.