الجمعة , 18 سبتمبر 2020

كوفيديّات …

علي المسعودي

تقدّم !

بعد ستة قرون على الطاعون الأسود، بعد الثورات المتوالية في عالم الطب منذ ادوارد جينر وفلمنغ وباستور، وبعد الحديث المتواتر عن امكانية استنساخ الذوات البشرية، نقف عاجزين اليوم أمام التهاب رئوي سريع الانتشار، ونعود أدراجنا، بخطى خائبة، إلى حكمة أسلافنا القروسطيين: الحَجْرُ بقوّة السلاح .!
رويدك أيها العالَمُ المعتدّ بمعارفه التي طالت الأرض والسماء.. القرون الوسطى لم تبتعد عنّا كثيرا. وهي منّا على مرمى حجر !

الجحيم هو الآخر! …

اختلف الأطباء في شأن مسافة الأمان لكوفيد 19. البعض يجعلها مِتْرا والبعض الآخر مِتْرَيْن أو أكثر. وهو ما ولّد احساسا بالألم والغرابة عند البعض.
لطالما كان هذا هو الوضع الطبيعي وغيابه تشبيه ووهم. نحن متباعدون عاطفيا والوحدة المطلقة هي الجريمة التي نحاول عبثا إخفاءها. ولا نتقارب إلا من أجل أن ندفع أشباهنا البشريين أو نسابقهم إلى ما نحسبه غنيمة حياتية !. نحن قطيع ضباع، تحسبهم جمعا وقلوبهم أمام الوليمة شتّى. حتى التقارب الجنسي، أقصى حالات التوحّد، ليس أكثر من تعبير عن أنانية طافحة.
الشعوب التي تتزاحم أكثر من غيرها في الساحات والأسواق هي الأكثر إنعزالية فردية وليس العكس.
إن طال الحجر قد نفقد الإستجابة لنداءات الآخرين بأسمائنا،… مثل حالة طفل شديد “التوحّد”!. ولكن مسافة الأمان هي فرصة لكي نكتشف أنفسنا من جديد، لنراجع علاقتنا بالآخر.. و”نتقارب” أكثر .
ما نحتاجه هو الخروج من الجحيم لنكتشف جنّة الآخر !.

عولمة الخوف ..

العولمة ليست ثقافية ولا اقتصاديّة فحسب. هي ليست فقط تنميطا وقولبة للبشر. هي أيضا حقن جماعي بنفس اللقاح.. أو نفس المرض !.
نعيش اليوم عولمة الخوف وتسليعه على نطاق واسع، عولمة تستثمر في الشعور الإنساني الإنّي وفي غريزة البقاء كمادّة أوليّة خام يمكن تحويلها وبيعها في سوق الدواء !.
لم يشهد العالم، في تاريخه، موجة معمّمة من الخوف تعادل المشهد المعاصر. حتى مع أسوإ الأوبئة ظل الخوف محلّيا وطبيعيّا. لم يكن هناك رأس مال يستثمره ولا سياسي انتهازي يرى وجها من وجوه توظيفه.
لو توقّف مسبار من كوكب بعيد قريبا من المجموعة الشمسية لاكتشفت مجسّاته الدقيقة تحت طبقة الأوزون لكوكب الأرض غيوما كثيفة توشك أن تحجب عنها تفاصيل اليابسة، غيوما مشكلة من عنصر وحيد شديد السمّية، هو الخوف !.
نحن أمام سلالة بشرية جديدة بعد الهومو سابيان، هي سلالة حفّار القبور، هذا الذي يولد ومعه فأس !.

شاهد أيضاً

الوباء انتهى أم لا ؟

مصدق الجليدي  أنا أجيبكم: ثمة علماء يقولون بأن وباء الكورونا انتهى بمعنى أن هنالك عدوى …

كيف نسترجع كل ما افتكه منا الكوفيد 19 ؟

عبد اللطيف المكي وزير الصحة فبعد نجاح مرحلة الدفاع والصمود بدأنا مرحلة حرب التحرير، تحرير …