الثلاثاء , 22 سبتمبر 2020

كيف ننقذ الأرواح ؟؟! (السؤال السياسي الراهن)

زهير إسماعيل

يمكن أن يُنظر إلى الثورة الاتصالية وهي في أوجها من زاوية جدواها على ضوء وباء كورونا الزاحف. وقبل اختراع لقاح مضاد له، يبقى الحجر المنزلي هو الإجراء الوحيد الوقائي الممكن.
كُتب كثير من الأفكار عن “العالم الافتراضي” وكيف صار بديلا عن “العالم الواقعي”، وصيغت فيه “نظريات” عن الإنسان والمستقبل والعالم. ولكن من خلال تجربتنا القصيرة والتي قد تطول مع كورونا يظهر أنّ “الثورة الاتصالية” وخاصة في “العالم الافتراضي” الذي أوهمت بصنعه لم يكن بديلا عن “العلاقة الإنسانية الواقعية” بما هي تحيّة ومصافحة ومشاربة ومؤاكلة ومرافقة ومجالسة… بدليل ما نراه من مدن عالمية وعواصم كونيّة وقلاع صناعية ومراكز تجارية ومطارات دولية مقفرة لا حياة فيها. وما يهدّد أكبر اقتصاديات العالم الضخمة بالتوقّف.

بل المفارقة في أنّ الثورة الاتصالية التي نعرف يسّرت انتشار الفيروس ولم تكن تساعد إلاّ قليلا على محاصرته.
الأهميّة في هذه اللحظة ليست لمن يملك أكثر تقنية وسلاحا وأرصدة، على قيمتها، وإنّما الأهميّة لمن يقدر على حماية الأرواح من خطر الوباء الزاحف.
في هذه اللحظة على الأقل، السؤال السياسي هو من يحمي الناس من الخوف.

والأهم هو مصدر الخوف. فعندما كان مصدره الإنسان باعتباره عند الثقافة المهيمنة “ذئبا للإنسان” كان الجواب عن الخوف هو الدولة لتكف التظالم بين الناس. وعندما طغى الخوف وصار مصدره ظلم دولة لدولة. كانت صيغة “الدولة العالمية” المستوحاة من فكرة الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، هي الحل السياسي لمنع التظالم بين الدول. ولكن منظمة الأمم المتحدة لم تخرج ما أفرزته الحرب العالمية الثانية من ميزان قوى لم يضمن العدل ولم يسمح بقيام سلطة إنسانية تمنع التظالم بين الأمم والشعوب.

مهمّ الانتباه اليوم أنّ إلى مصدر الخوف الداهم لم يعد أفقيّا، في هذه اللحظة على الأقل. وأنّ خطر الوباء قد تنجح في دفعه تونس وتفشل الولايات المتحدة الأمريكية.
الثورة التي عشناها في مطلع الألفية الثالثة، وتمّت محاصرتها في المجال العربي، وتسربت مع ذلك إلى عواصم الدنيا السياسية والمالية (وول ستريت) وأثرت في المحاور الاقتصادية والهيمنية في العالم ودفعت، بنسب مختلفة، إلى إعادة صياغتها، دون أن تؤثر كثيرا في طبيعتها… هذه الثورة كانت تطرح “أزمة الدولة الحديثة” و”هويّة الانتظام السياسي” في القرن الواحد والعشرين.

غير أنّ دخول وباء كورونا غيّر السؤال من “كيف ننتظم؟” أو “كيف نسعد الناس؟” إلى سؤال “كيف نحمي الأرواح؟”.
اختراع لقاح وكسر الوباء قد يفتح أفقًا جديدًا وقد نعود مع الوقت إلى عاداتنا القديمة و”قسوة القلوب”، و”تشيئة الكائن” و”صراع المغانم” الذي لا ينتهي.
ومع ذلك هناك ملامح لسلطة جديدة على صلة بالجواب عن سؤال “من يحمي الأرواح؟”. وفي هذا السياق أفاد صديق طبيب جرّاح بمؤشر على هذا إذْ عمد أساتذة أطبّاء في مستشفيات مارسيليا إصدار بيان ينتقدون فيه السياسة الرسمية التمييزية في مواجهة كورونا (فرص التحاليل والمعالجة)، وتحدثوا عن ضرورة “Coup d’Etat médical”، وشدّدوا على أنّه على الأطبّاء أنّ يأخذوا بزمام الأمور.

هذه الملامح كان لها بوادرها عندنا بما لوحظ من ارتياح وطمأنينة تلقائيين ومساندة ورغبة في الاصطفاف وراء وزير الصحة والوزارات المساندة وفي مواجهة الوباء ومخاطره.
فالموت الداهم لا يسمح بمنافسات سمجة حول الصلاحيات في أعلى هرم السلطة، ولا يسوّغ “بيانات” غامضة أو التأخّر في ضبط خطة واضحة للتصدّي، ولا يعطي فرصة للتأنق في سجالات دستورية قانونية فارغة لا تسهم في إنقاذ الأرواح.

شاهد أيضاً

الوباء انتهى أم لا ؟

مصدق الجليدي  أنا أجيبكم: ثمة علماء يقولون بأن وباء الكورونا انتهى بمعنى أن هنالك عدوى …

حكومة الديوان تطلب الثقة من البرلمان

زهير إسماعيل  سيكثر الحديث حول تركيبة هذه الحكومة التي خرجت البارحة من السريّة إلى العلنيّة. …