الثلاثاء , 22 سبتمبر 2020

التسطيح و«التصطيك»

توفيق رمضان

منشورات تطالب بتحويل ميزانيتي وزارتي الشؤون الدينية والثقافة الى وزارة الصحة.. الامر ييدو عاديا ربما لحماسة متجاوزة لحدها او لقصور في الفهم او لخوف من وباء الكورونا… لكن ما نلاحظه أن منشورات كهذه تخفي وراءها ايديولوجيا معينة تزيد في تقسيم التونسيين وتعميق الفرقة بينهم وتشكل عائقا امام توحدهم امام الكارثة.

المطالبون بتحويل ميزانية وزارة الشؤون الدينية يتناسون ان لهذه الوزارة منظورين تصرف لهم اجورهم… كنت اتفهم لو طالب البعض باعادة النظر في ميزانية الوزارة وان كان هناك مبلغا يزيد عن حاجتها لهذه السنة نتيجة غياب ندوات كانت مبرمجة او سفرات للخارج او استقبال ضيوف كانت تستعد الوزارة للقيام بها، يمكن الاستفادة منه بتحويله لوزارة الصحة… لكن ان يكون الموقف اساسه ايديولوجيا معينة وموقف من الدين وعلاقة الدولة به ليس وقت الدفع به الان في استغلال واضح للوضع الصحي في البلاد… كل الاراء والمقاربات يمكن مناقشتها والبحث في اسانيدها وجدواها لكن ليس الآن.

نعم هناك «شانطي» كبير لتطوير الخطاب الديني وتجديده… اعادة النظر في وضع الائمة ومستواهم والعمل على تكوينهم التكوين الذي يسمح لهم بان يكونوا الصف الاول في مواجهة آفة الارهاب… لانهم سيواجهونه من داخل المنظومة الفكرية التي يستند اليها الارهابيون ومستقطبوهم… الارهاب يتطلب حربا يكون السلاح فيها تقويضه من الداخل… بدحض مرتكزاته الفكرية وتغيير الافهام بانتاج تفسيرات جديدة للنص الديني المؤسس واعادة قراءة التاريخ الاسلامي… لكن كل هذا يؤجل الان لانه يتطلب وقتا وعملا يوميا ومقاربة فكرية واضحة المعالم… لكن طلبات كهذه من تحويل للميزانية او الغاء وزارة الشؤون الدينية يمثل صدمة للعقل الجمعي وللذهنية العامة لشعبنا لا تزيده الا انشدادا للفكر المتشدد وتعلقا به لانه سيجعل بعض الاطراف التي تستثمر في شعارات الاسلام في خطر تزيد في انتشارها وايجاد مقبولية اكثر من ذي قبل.

نفس الكلام نقوله للمنادين بتحويل ميزانية وزارة الثقافة لان مطلبهم هذا يخفي نظرة اخلاقوية للثقافة تربطها بالعري والفسوق… وترى الثقافة نافلة من النوافل التي يجوز اسقاطها وربما يخرج علينا مثل ذلك الرجل الذي قال يوما «اش نعملو بالكتب»… فلوزارة الثقافة كما لوزارة الشؤون الدينية منظورين والتزامات وخطة عمل تسعى لتحقيقها… الثقافة ليست مهرجانات وعروض فنية فقط على اهميتها.. بل هي متاحف ومعارض للكتب والفنون التشكيلية… وزارة الثقافة دعم للاعمال الفنية والمسرحية وللكتاب… وزارة الثقافة عروض للاطفال ومكتبات عمومية… لذلك ينسحب عليها ما قلته عن وزارة الشؤون الدينية… يمكن مراجعة الاموال المرصودة لها خاصة مع تعطل العروض والغاء بعض الانشطة وان كان يمكن الاستفادة بها في مواجهة الكورونا لم لا؟… لكن ان يستغل البعض ممن لهم موقف من الفن وربما يحرّمونه ويرونه بابا من ابواب الفسق والمجون الذي يلهينا عن ذكر الله ولا يرون فيه فائدة للشعب والفرد، لتصفية حساباتهم الان فهذا مرفوض قطعا.

الشأن الثقافي كغيره من المجالات فيه انحرافات وخروقات كثيرة ولم يرتق الى مستوى التطلعات في بناء شخصية التونسي والرقي بوعيه… دور ثقافة مهجورة كليا… مكتبات عمومية لا يتعدى زوارها عدد اصابع اليد الواحدة… انتاجات غنائية ودرامية تعيسة في احيان كثيرة… مشكة الدعم والاموال المرصودة التي يتمتع بها البعض من المقربين فقط دون غيرهم… ثمن الكتاب في تونس يساهم في مزيد تنفير القارئ كذلك.

ما نلاحظه من خلال المنشورات والتعليقات ان هناك اوبئة اخرى تعيش داخلنا ومعنا… من يربط الدين بالارهاب ومن يربط العلمانية وتحقيق الدولة المدنية بضرورة حذف وزارة الشؤون الدينية.. في تجاهل واضح لتركيبة الشخصية التونسية وفي قفز متعمد ربما على الواقع المجتمعي… كذلك من يربط الثقافة بالفسق والفجور ويراها عاملا لاقتلاع الشعب من جذوره وقطع لكل علاقة له مع هويته… بل هي معول هدم لخصوصية التونسي في نظره.

الدين بريء مما ينسب اليه والثقافة كذلك لكن الاشكال في رجال الدين ورجال الثقافة الذين لم يقدموا شيئا غير «التصطيك» والتسطيح… لذلك لا مناص من اعادة انتاج خطاب ديني ملائم.. ومن تشكيل ثقافة بديلة.. بعيدا عن كل تجاذب ايديولوجي.

✍️⁩توفيق رمضان

شاهد أيضاً

الحكومة القادمة ؟

توفيق رمضان  أولا لنقطع مع مقولات مثل حكومة ثورية او حكومة الصف الثوري.. كذلك مقولات …

السياحة الحزبية هل هي ردة سياسية ؟

توفيق رمضان لجنة النظام الداخلي للبرلمان تصوت لصالح مقترح تعديل الفصل 45 من النظام الداخلي …