الجمعة , 4 ديسمبر 2020

الوعي لا ينبت فجأة

صالح التيزاوي

كثيرة هي الأشياء التي تنبت فجأة في حياة البشر، دون سابق تخطيط، وتأتي على غير ميعاد.. فالقلق يأتي فجأة كما الموت، كما الكوارث الطّبيعيّة، كما الأوبئة، وحتّى الحبّ، يأتي فجأة.. تبعثر جميعها حياتنا، ثمّ تمرّ تاركة وراءها آثارها.. وحده الوعي لا ينبت فجأة، فهو كالخصب، يحتاج إلى التربة والماء والهواء والشّمس، وإنسان يرعاه، ثمّ يورّث تجربته لجيل لاحق، يستفيد ثمّ يضيف. فالوعي محصول تجارب، راكمها الإنسان. وهو إن شئنا “كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها”.

حتّى الجهل، فإنّه لا ينبت فجأة، فهو كالفطر يتغذّى من القشّ و”الرّوث”، يغذّيه سياسي فاشل، قد يكون جاء إلى السّياسة من طريق الصّدفة، أو من مجرّد مؤامرة حقيرة، ومن إعلامي دجّال، وممثّل تافة يُضحك بالعاهة وتقليب حركات فَمه للسّخرية من الخلق، وفنّان ينهق أمام المصدح، أو فنّانة تحذق تحريك النّهود وهزّ البطون في الثّلث الأخير من اللّيل لتساعد على فرض حظر التجوال، وواعظ دجّال يروّج أنّ طاعة وليّ الأمر من الدّين، حتّى وإن خان وباع الأوطان…

هؤلاء السّفلة، يتغذّى منهم الإستبداد في بلاد العرب، بطولها وعرضها، ويمدّونه بأسباب البقاء، وعند المصائب وفي اللّحظات العسيرة تدعى الشّعوب للتّضحية، ويعلن الحكّام أنّهم “يعوّلون على وعي الشّعب”. فهل لمن كانوا قشّ الحياة ومزابلها أن يصنعوا وعيا؟

في بلادي، بعد ستّين عاما من عمر الدّولة الوطنيّة، شهدت خلاله، على مراحل، فترات من الخصب (طفرة هائلة من النّفط في السّبعينات، إلى جانب ثروة الفسفاط) وشهدت حالة من الإستقرار الإجتماعي والسّياسي.. وبعد عشر سنوات من عمر الثّورة، لا يتوفر لقطاع الصّحّة العموميّة سوى مائتي سرير للإنعاش في تعداد سكّانيّ، يقارب اثنى عشر مليون ساكن. فهل يكفي هذا العدد لتلبية احتياجات الشّعب في الظروف العاديّة؟ فكيف يكون الأمر ونحن نواجه وباء مثل الكورونا؟ وهل من المقبول أن يتواصل العجز بعد الثّورة ونبقى مستسلمين لعجزنا، ننتظر “كفّا من الحياة” عساها توقظنا..

شاهد أيضاً

جامعي يطالب بتجريم حرية التعبير !!

صالح التيزاوي  أعلن نفسه سلطانا على الضّمائر وعارفا فوق مستوى البشر.. يهذي بما يشاء وغيره …

طهران وخيار الإبقاء على “شعرة بايدن” 

صالح التيزاوي  بعد مقتل قاسمي سليماني قائد الحرس الثّوري في العراق جاء الدّور على العالم …

اترك رد