الجمعة , 18 سبتمبر 2020

أفكار في زوبعة الكورونا

نور الدين الغيلوفي

الطرقات فارغة.. الخواء يتوسّع ينشر سلطانه والفراغ يزحف لا يترك شيئا على حاله.. الضجيج يخفت.. الوجود يحبس أنفاسه أمام سكون مخاتل.. حدثٌ ما جللٌ أصاب الحياة في صخبها…

كائن مجهريّ.. فيروس من مَثَلِ ما فوق البعوض يحتلّ الأرض يعيد ترتيب نِسب الحياة فوقها بمقادير لا يدركها البشر.. كزلزال يعيد ترتيب أوراق الوجود…

شعوب يحصدها الموت فتُسلم له رقابها تكاد تعلن عجزها.. لا فرق بين كثيرها وقليلها ولا بين قويّها وضعيفها ولا بين رائدها وتابعها… بل هو فرق كبير.. لقد اختار الفيروس المجهريّ أن يكون حصادُه من حقول الأقوياء.. بدأ بالصين وزحف على إيطاليا.. وإيران.. ففرنسا.. وإسبانيا… فيروس الكورونا لا يستثني من العالَمين أحدا…

امتزج الهلع بالاستهتار… كأنّ الناس قد أخذوا على الحياة ألّا تتركهم لموت يتسلّل إليهم من الملامس والهواء ومن فوق سطوح الأشياء.. ينتخب ولائمه بعناية فائقة لم تدرك البشريّة لها منطقا إلى حدّ الآن…

الأمر جلل…
البلاد تتقطّع أوصالها…
انجُ بنفسك…
ما نفسُك؟

أنت لا تدري جهة الملاذ…

حياة الإنسان فوق الأرض باتت مهدّدة..
المدنية تترنح…

#فكّر_بغيرك باتت عبارة شعرية معلَّقة في سماء لا عماد لها في فضاء مفتوح على اللا معنى…

مَن غيركُ؟

غيرك يد ناقلة للعدوى تحتاج مسافة بينك وبينها لتأمن منها.. وأنفاس كنت تطلب حرارتها للحبّ والحياة.. واليوم صارت عنوانا للموت الزؤام…

الناس باتوا في مأزق فعلي.. بين أمرين:

1. أنانية تفترسهم بعد أن خيّم الموت على الأرض وصار العالم لا يساوي كيس دقيق يأخذه إنسان إلى بيته ليغلق بابه عليه ويخلو إلى دقيقه يعجن منه خبزا كأن لم تلمسه من قبله يد… أنانية صار الناس معها أشبه بأسراب نمل تخرج لتحمل طعامها وتعود إلى البيت مسرعة ولا شيء لها تلوي عليه سوى ما تحمل من طعام لمزيد من حياة يعبث بها فيروس لا مرئي لا أحد يدري ميعاد تسلّله إليه…

يا معشر النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده… وسليمان كورونا لا يفهم للنملة الناطقة منطقا.. ولا يتبسّم ضاحكا من قولها.. لا بسمة في جدول أعماله…

بالأمس كان البشر مواطنين يكوّنون مجتمعا جامعا.. ومنهم من كان يقسّم جسمه في جسوم كثيرة قمعا للغريزة اعتناقا للحضارة… أمّا في زمن الكورونا فقد فرضت عليهم الغريزة سطوتها وما عادت الحياة تمهلهم للتبسّم رحمةً.. كأنّ فيروس الكورونا إنّما جاء ليتعهّد أنانية الإنسان بنت مرجعه الحيوانيّ.. أليست الأنانيّة هي الحيوان؟.. وها إنّ أنانية الإنسان تنبض بالحياة.. وفي الكورونا لها غذاء…

كلّما أوغل الموت في مساحة الأرض من حولك تقلّص الآخر فيك.. وقد صار الآخر، في زمن الكورونا، هو الموت… انجُ سعد فقد هلك سعيد…

2. الوجه الثاني للمأزق: إذا اهملتَ غيرك وطلبتَ النجاة دونه لم تنجُ.. بل ربّما كان الفيروس أشّدَّ فتكا بك منه لو أنّك أقبلت عليه.. فإذا استأثرت بالطعام والدواء دون غيرك جعلت منه حقلا خصيبا يعشّش فيه الكورونا ويتضاعف ويتقوّى وحاصرتك الفيروسات من كلّ جهاتك.. هذا فيروس يخترق كلّ الحواجز ويجتاز كلّ الحدود.. يراك ولا تراه.. يستمدّ قوّته وقهره من تناهيه في الصغر كحتم لا تدركه الأذهان ولا تكتبه الأقلام.. فيروس نهِمٌ يغريه التكاثر.. وكلّما تكاثر وسّع مجال سيطرته…

فيروس الكورونا حدثٌ جللٌ في التاريخ له ما بعده ولو كان عدَمًا.. فيروس مرسَل لا يحويه نظام.. صادم للأفهام لا تتصدّى له الدول بقواها التقليدية التي أعدّتها لافتراس غيرها من الدول والشعوب الأخرى.. جاء الأرضَ من حيث لم يحتسب ساكنوها.. ولم يرتّب له الأقوياء في فهمهم مقاما.. ومهما بلغ الإنسان من سيطرته على الطبيعة ومن ترويض المظاهر واستخدام الظواهر تظلّ الأسرار أدقّ تلوي الأعناق إلى جهة في الوجود لم تكن في الحسبان…

وكيفما كان أمر فيروس الكورونا مطبوعا أو مصنوعا فقد كشف للإنسان حقيقة طالما أنكرها: أسرار الوجود شاسعة لا يبلغها الفهم.. والحياة لا تحتكر تهديدها قوى التدمير التقليدية تجعل البقاء للأقوى…

الطبيعة لا تزال تنتخب الأمور وفق قوانينها الضاربة توزّع المقادير على أهل الأرض بعدل لم يدركوه.. لعلّ البشرية أن تنتهيَ إلى أنّ القوّة في ترك القوة.. وبدل العناية بالقوى الصلبة على الإنسان أن يسعى في مضاعفة النعومة… بناء مدينة للعناية بالصحّة أولى من إقامة مصنع لصنع الأسلحة…

التدمير قادم، حتما، فلا تستعجلوه…

لو أنّ قابيل لم يقتل أخاه لما احتاج إلى الاستدلال بغراب.. ليواريَ سوأة أخيه…

من يواري سوأتك لو أنّك عجزت عن مواراة سوأة غيرك؟

شاهد أيضاً

تطبيع السواقط

نور الدين الغيلوفي  بين يدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حضر اثنان من أعراب الجزيرة ببدلتين …

عن سبر الآراء

نور الدين الغيلوفي  أقرأ ترويجا للفاشيّة وشقيقتها الشعبويّة بحكايات سبرٍ للآراء تقول إنّ نوايا التصويت …