السبت , 19 سبتمبر 2020

بين 540 و5400 هو عدد حالات الإصابة الحقيقيّة بالكورونا في تونس علميّا..!!

عبد اللّطيف درباله

وبمعدّل إحصائي حاليّا يناهز 1458 حالة حقيقيّة..!!
لهذه الأسباب يتوغّل فيروس كورونا في البلاد.. وينشر العدوى على نطاق واسع.. بعيدا عن أعين وأرقام ومختبرات وزارة الصحّة..!!

الأرقام المعلنة الجمعة 20 مارس في تونس عن تسجيل 54 حالة مؤكّدة حتّى يوم الخميس 19 مارس 2020.. لا يمكن أن يكون هو الرقم الحقيقي والصحيح لعدد حالات الإصابة الحقيقيّة بفيروس كورونا في تونس..
ولا يعني ذلك بأنّ وزارة الصحّة أو الحكومة لا تعطي الأرقام الحقيقيّة المسجّلة فعلا.. أو أنّها تتعمّد الكذب..!!
لكنّه يعني ببساطة أنّ الأرقام المعلنة من مصالح وزارة الصحّة عن 54 حالة مؤكّدة بالكورونا.. هو فقط عدد الحالات التي أمكن للفرق المختصّة في وزارة الصحّة اكتشافها ومعرفتها..
ولا يقتصر الأمر على تونس.. ولكنّه ينطبق في كلّ بلدان العالم..

ما يسمّى الآن رسميّا وإعلاميّا “حالات الإصابة المؤكّدة”.. هو في الواقع عدد الحالات المعلنة رسميّا باعتبار أنّه تمّت معاينتها بالتحاليل المخبريّة بطريقة علميّة وثابتة.. لأشخاص يحملون فيروس “كوفيد-19” فعلا..
أمّا “الحالات الحقيقيّة للإصابة”.. فهي تخصّ أشخاصا أصابتهم العدوى.. ويحملون الفيروس بالفعل.. لكنّه لم يقع اكتشاف إصابتهم لا من أنفسهم ولا من الدوائر الرسميّة.. ولم يخضعوا للتحليل المخبري.. ولم تظهر عليهم أعراض لافتة للإنتباه.. ومع ذلك أصيبوا بالفيروس.. ويرّجح أنّهم نقلوا العدوى إلى أشخاص آخرين بدورهم..!!

المشكل أنّ شريحة الذين تشملهم إجراءات التثبّت من قبل مصالح وزارة الصحّة بين أفراد الشعب التونسي صغيرة للغاية..
كما أنّ طرق التثبّت ليست فاعلة باستمرار.. وبالتالي لا تعطي نتائج ثابتة.. إذ أنّ الإعتماد على قيس الحرارة عبر الكاميرا الحراريّة للأشخاص.. وخصوصا المسافرين القادمين من الخارج.. كثيرا ما تخطأ في اكتشاف الحالات.. فهناك من الحاملين للفيروس من لا ترتفع حرارتهم.. وهناك من لا تكتشف الكاميرا ارتفاع حرارته لأسباب مختلفة..
وعموما يشمل الفحص العرضي المبدئي عبر المراقبة بالكاميرا الحراريّة والأعراض الظّاهرة.. وصولا إلى إجراء فحص مخبري.. هذه الفئات:

  1. الأشخاص القادمين إلى تونس من الخارج عبر المطارات والموانئ والمعابر الحدوديّة البريّة.. ولا يشمل المسافرين للخارج..
  2. الأشخاص الذين يشعرون بالمرض ويتوافدون تلقائيّا على المستشفيات أو المصحّات أو أقسام النجدة أو المراكز الصحيّة المختلفة..
  3. الأشخاص الذين يتّصلون بمفردهم بالرقم 190 عند الشعور بأعراض الكورونا المعلن عنها في الومضات التحسيسيّة..
  4. الأشخاص الذين في محيط من ثبتت إصابته بالفيروس عبر الفحص المخبري.
  5. الأشخاص الذين أشارت عليهم الفرق الطبيّة المختصّة بالبقاء في الحجر الصحّي الذاتي بمنازلهم.. وتعكّرت حالتهم.

وهي كلّها كما تلاحظون.. وكما أعلنت عنه الأرقام الرسميّة لوزارة الصحّة.. حالات محدودة جدّا من حيث العدد مقارنة بحوالي 11 مليون شخص يعيشون بتونس من بين المواطنين غير المهاجرين والأجانب المقيمين والسيّاح والزوّار..!!
فمثلا.. وفق الأرقام المعلنة اليوم من طرف وزارة الصحّة فإنّ عدد الذين يوجدون في الحجر الصحّي حاليّا هم 3440 شخص..
أمّا عدد الذين أكملوا فترة الحجر الصحّي فهو 5628 شخص..
أيّ أنّ مجموع الأشخاص “المشكوك فيهم” الذين خضعوا للفحص ولإجراءات التتبّع للتوقّي من الفيروس.. ونُصِحوا أو فُرِض عليهم البقاء بالحجر الذاتي.. يبلغ 11000 شخص فقط.. بمن فيهم الذين خضعوا للاختبارات المخبريّة.. وذلك منذ بداية الجهود التونسيّة في الوقاية من انتشار عدوى فيروس كورونا في شهر فيفري 2020..
وهو طبعا رقم ضئيل جدّا مقارنة بحوالي 11 مليون شخص يقطنون البلاد..!!
ويمثّل نسبة 0.1 بالمائة فقط من القاطنين بالدولة لا غير..!!!
بالتالي فإنّ عدد الـ54 حالة مؤكّدة.. ليست بالتأكيد عدد الحالات المكتشفة بين 11 مليون ساكن لتونس.. وإنّما هو عدد الحالات التي أمكن اكتشافها ضمن التثبّت لدى 11 ألف شخص فقط..!!
بل الأكثر من ذلك.. فإنّه على الأرجح لو وقع إجراء فحص مخبري على هؤلاء الـ11000 شخص.. لكانت النتائج الإيجابيّة التي تدلّ على حمل الفيروس تفوق 54 حالة مؤكّدة..!!
فماذا لو وقع إجراء فحص مخبري على 11 مليون شخص بتونس..؟؟!!!
النتائج حينها ستكون بالتأكيد أكثر من 54 حالة إصابة بكثير..!!!

الإختبارات المخبريّة نفسها تعدّ مشكلة في بلادنا.. فمن خلال التصريحات الإعلاميّة أو الخاصّة في الكواليس.. من وزير الصحة ومسؤولي الوزارة الذين يشاركون في الندوات الصحفيّة ويدلون بتصريحات للإعلام.. فإنّ عدد الإختبارات المخبريّة التي تجرى في تونس يتراوح بين 40 و72 اختبارا يوميّا..
اليوم مثلا أكّدت وزارة الصحّة في ندوتها الصحفيّة بأنّ 79 عيّنة تمّ تحليلها أمس.. وأفضت إلى اكتشاف 15 حالة إيجابيّة جديدة لحمل الفيروس..
بما يعني أنّ العدد الأقصى للاختبارات الفعليّة التي أجريت في تونس طوال شهر كامل.. وحتّى باعتماد المعدّل الأقصى بافتراض تحليل 80 عيّنة يوميّا منذ أوّل يوم.. لن يفوق 2400 اختبارا..!!
لكنّ الرّقم في الواقع أقلّ من ذلك بكثير..!!!
من البديهيّ القول بأنّه كلّما قلّ عدد الاختبارات كلّما قلّ عدد الحالات المكتشفة والمعلن عنها رسميّا..
لكنّ وزارة الصحّة في تونس لا تملك لا الموارد الماليّة.. ولا الموارد البشريّة واللوجيستيّة.. لعمل مئات أو آلاف الاختبارات كلّ يوم..!!!

وفقا لدراسة أعدّت إلى تاريخ 3 مارس 2020.. فإنّ كوريا الجنوبيّة مثلا كانت قد قامت بعمل 109591 اختبار مخبري.. متصدّرة المرتبة الأولى في العالم بنسبة 2138 اختبار لكلّ مليون مواطن.. وأدّى ذلك إلى اكتشاف أنّ 4.4 بالمائة من الخاضعين للاختبار مصابين بالفيروس..
ويعتقد المحلّلون بأنّ ارتفاع عدد الحالات المؤكّدة المعلنة في كوريا يرجع إلى عشرات آلاف الاختبارات المخبريّة التي قامت بها على نطاق واسع.. وأنّها ربّما لهذا السبب تملك أقّل فارق بين عدد الحالات المعلنة رسميّا وبين عدد الحالات الحقيقيّة مقارنة بالبلدان الأخرى..
في حين أنّ إيطاليا أجرت إلى حدّ يوم 3 مارس 23345 اختبارا مخبريّا.. بمعدّل 386 اختبار لكلّ مليون شخص.. أدّت إلى اكتشاف إصابات بنسبة 8.7 بالمائة..
وربّما من المهمّ القول هنا أنّ إجراء كوريا الجنوبيّة للفحوصات المخبريّة لكشف المصابين بنسبة تقارب 6 أضعاف نسبة إيطاليا.. هو الذي أحدث ربّما الفارق الفاصل في وضعية البلدين الآن..
فعندما كانت كوريا الجنوبيّة تسجّل عدد إصابات يبلغ بضع آلاف.. كانت إيطاليا سجّلت فقط بضع مئات الإصابات المعلنة..
غير أنّه في الوقت الذي بقيت كوريا الجنوبيّة تحت أقلّ من رقم 10 آلاف إصابة.. بنسبة وفيّات تبلغ 0.6 بالمائة.. فإنّه سرعان ما غرقت إيطاليا في أكثر من 35 ألف إصابة.. بنسبة وفيّات تقترب من 5 بالمائة..!!!

هذه المعادلات انتبه له الباحثون والعلماء والأطبّاء في الصّين وفي العالم.. عند بحثهم عن طرق لمقاومة انتشار العدوى.. ومحاولة حصر العدد الحقيقي للمصابين للتحسّب لحجم المرض السّاري بين النّاس.. وتوقّع حجم الضغط الذي سيكون على المنظومة الصحيّة..
ووفقا لدراسة أعدّها “توماس بويو“.. وسبق لنا نشرها.. ونعيد نشر رابطها أسفل هذا المقال.. فإنّ هناك طريقتين لاحتساب العدد الحقيقي للإصابات بالكورونا بخلاف العدد الرسمي المعلن عنه.. وهي طرق تقوم على أساس الحساب إنطلاقا من عدد الإصابات المؤكّدة الواقع إكتشافها والمعلن عنها رسميّا.. أو على أساس الحساب إنطلاقا من عدد الوفيّات المسجّلة..
ودون الدّخول في العديد من الأمور التقنيّة والمعادلات العلميّة والرياضيّة.. والتي يمكن مطالعتها تفصيلا بالمقال المذكور..
فإنّ إحدى الطرق تتوقّع حجم العدد الحقيقي للمصابين بما بين 10 أضعاف إلى 100 ضعف..
وهو ما يجعل في هذه الحالة عدد المصابين الحقيقيّة في تونس اعتمادا على هذه الطريقة.. ووفق الرقم المعلن من وزارة الصحّة للحالات المؤكّدة.. هو ما بين 540 إلى 5400 شخص..!!!
أمّا الطريقة الثانية فتعطي ضارب بمعدّل 27 ضعفا لعدد الإصابات المؤكّدة.. وهو ما يعني باعتماد هذه الطريقة أنّ العدد المحتمل للإصابات الحقيقيّة في تونس يمكن أن يبلغ 1458..!!!

أيّا كان.. وحتّى باعتماد الحّد الأدنى.. فإنّ الواقع اليوم أنّ عدد الإصابات الحقيقيّة في تونس يبلغ المئات.. وليس فقط 54 إصابة وقع اكتشافها رسميّا.. هذا إن لم يكن قد بلغ الآلاف.. !!!
وهو ما يعكس مخاطر بالغة.. باعتبار أنّ مئات إن لم يكن آلاف الأشخاص المصابين بالفيروس.. لا يعرفون ذلك بتاتا.. ولا تعرفهم الدّولة.. وهم يتجوّلون بحريّة كاملة بين أفراد عائلاتهم في البيت.. وبين عامّة الناس في الشارع أو في أماكن الدّراسة أو العمل.. وينشرون العدوى على نطاق واسع..
ويفسّر ذلك عادة ما وقعت ملاحظته بتكرار.. من أنّ الحالات تكون محدودة في بضع عشرات طوال أسابيع.. ثمّ فجأة تبدأ في الإنفجار بنسق غريب وسريع.. بمئات الحالات كلّ يوم.. ثمّ تصل إلى الآلاف أحيانا..!!!
وتفسير ذلك بسيط للغاية.. وهو أنّ عدد الحاملين للفيروس كان أكبر من المعروف.. أي أكبر من الرقم المعلن عنه رسميّا.. وأنّ حامليه أخذوا وقتهم وبعيدا عن مراقبة السّلط الصحيّة.. لنشره “بطمأنينة كاملة”.. طوال أيّام عديدة..!!!

• رابط دراسة “توماس بويو” المشار إليها بالمقال.. والسّابق نشرها على تدوينات:

فيروس كورونا: لماذا يجب عليك التصرف الآن ؟

شاهد أيضاً

عودة مدرسيّة متعسّرة ومتعثّرة..!!

عبد اللّطيف درباله  اليوم 15 سبتمبر 2020.. كانت عودة مدرسيّة جديدة تأتي في وقت مشحون …

رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. “اخدم على روحك”.. قبل شعار “اخدم والشعب معاك”..!!

عبد اللّطيف درباله  الرئيس سعيّد الذي يريد تجاوز صلاحيّاته الدستوريّة بالتدخّل في السياسة الداخليّة.. تقاعس …