الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

الحياة الثمينة

ليلى حاج عمر

في البيت، أعيد اكتشاف الحياة تماما كما فعل بطلي في روايتي برزخ العشّاق وهو ممدّد في قبره يتأمّل حياتنا فوق نحن الأحياء ويهمس:

“كم الحياة جميلة فوق. كلّ شيء فيها مبهر: الضّوء عند الفجر، صوت المؤذن، العصفور على النّافذة، الكرمة تنعطف على تينها وترتجف ورقتها مع هبّة نسيم، زهرة اللّوز الخجولة، شعر حبيبتي يهفهف في الرّيح، أغنية حبّ في المساء، فكرة تتوهّج ليلا، قهوة تفوح بالهيل، شوارع للتسكّع عند السّحر، أحلام الثّورة، كتاب العشق، صلاة العيد، خيباتنا الأزليّة، فرحنا وخساراتنا، قبلة ملتهبة، فيروز لصباحاتنا المتعبة، موّال بدويّ..”.

أعيد اكتشاف التفاصيل وأدرك أنّها معنى سعادتنا، وأنّنا لم نكن ندرك ذلك كما ينبغي، وضيّعنا وقتا كثيرا في البحث عن الأفكار الكبرى غافلين عن أنّ السعادة إنّما هي في هذه الأشياء الصغيرة: قبلة مرصوصة على خدّ أمّي دون أن نخاف عليها، جلوسنا متلاصقين على الأريكة حولها في أمسيات الشتاء نتنفّس هواء بعضنا البعض، حكاياتنا وضحكنا وعطاسنا وسعالنا وتقاسمنا الخبز والماء، تجوالنا بحرية وجلوسنا على المقاهي وسلامنا دون قفازات والارتماء في أحضان الأحبّة والعناق الطويل وحريّة العمل والتحرّك في الشوارع والحارات دون خوف أن يكون قد علِق بحذائي وحش لا يُرى سيدخل بيتي ويختبئ في جسدي قبل أن يلتهمني.

الحياة جميلة فوق هكذا همس بطلي في ظلمة الرمس وقد امتلأ بالشوق إلى أمّه وحبيبته، ولعلّنا نحتاج هذه الهزّة الأنطولوجية القاسية وخوض تجربة الجلوس على حافة الموت حتّى نرى العالم من جديد ونجدّد شوقنا إليه، الشوق إلى أن نحياه مرّة أخرى بإحساس أعمق وبوعي أكبر بأنّ الحياة ثمينة وثمينة جدّا، وأنّني لا يمكن أن أحيا أنا ما لم تحيا أنت، وما لم يحيا النبات والحيوان والماء والتراب والهواء، وأن لا حلّ لنا غير أن نضمّ إنسانيتنا إلى صدورنا إنسانيتنا التي ستتأنسن تحت ضربات الوباء غير الرحيم، وغير أن نكون أكثر رفقا بالأرض التي ستتنفّس قليلا بعد أن خفّف الإنسان الوطء عليها، الأرض التي سـ “تدور دورة أخيرة.. تتوقّف وتلقي بأشياء كثيرة في الفضاء، تنتفض مرات كقطّ هرم، تقشّر جلدها القديم كأفعى، ثمّ مسرعة، تعود إلى الدّوران خفيفة، وتدريجيّا تفقد ذاكرتها القديمة، وتبدأ ذاكرة جديدة للبشر.”

(سوبرنوفا عربية)

شاهد أيضاً

الرسول الأكرم وخيمياء الحضارة وصنّاع الرثاثة

ليلى حاج عمر  البحّارة الذين يطرحون السمك القليل الذي اصطادوه طوال الليل على الرصيف في …

مبتسمون

ليلى حاج عمر  الرجل الذي ألاقيه كلّ صباح على درّاجته القديمة التي تئنّ تحت ثقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.