الجمعة , 18 سبتمبر 2020

ديليتي فاسد

الصادق الصغيري

انحنى العم احمد على نصبة التاجر الذي لا يكف عن الصياح والإشادة بما له من مواد قاهرة لكل الحشرات فاقتنى قرطاسين من مادة «الديليتي» وانقده ما طلبه منه. لفّ القرطاسين بورقة جريدة بعناية ودسهما بجيب معطفه الداخلي، ثم تحسسهما من جديد ليتأكد من أنه لم يضع اللفافة خارج الجيب فتسقط في غفلة منه. ثم أسرع الخطى في اتجاهات متعددة يستكمل قضاء شؤونه واحتياجات العائلة بما يكفي لمدة أسبوع. عاد إلى البيت مساء، فتحلق حوله أفراد الأسرة يستطلعون «المسواقة» وما يمكن ان تحتويه من غلال وخضر، ولكن العم احمد استوقفهم ليبشرهم أنه اقتنى دواء مناسبا لحشرة البرغوث التي تفشت في أبدان وادباش كل أفراد العائلة، ثم أخرج اللفافة من جيبه، فاشرأبت إليها الأعناق وتساءل ابناؤه عن ساعة انطلاق المداواة فرد وعيناه تشعّ ثقة:
– في الليل، كيف ترقدو نعملو الدواء
ثم استدار جهة زوجته التي انهمكت في الاطلاع على ما اقتناه زوجها يحثها على الانتباه وإبعاد الدواء عن القضية وعن ايدي الاولاد.
ما إن أنهت العائلة وجبة العشاء، حتى تمدّد الاولاد بأماكنهم على الحصير المفروشة في أقصى الغرفة، فتح الأب أحد القرطاسين ثم بدأ بأصغر ابنائه، فادخل القرطاس بين اللحم والثياب ثم ضربه ضربات خفيفة فانتشرت غبرة بيضاء امتدت إلى كامل البدن والثياب وانتشرت بالغرفة رائحة كريهة تشبه رائحة الرطوبة، ثم تحول إلى الابن الثاني فقام معه بنفس العملية، وهو لا يفتا يوصيهم بإغماض العينين وشدّ الأنف وعدم استنشاق «الديليتي».

مر يومان وثلاثة ولكن الأولاد ظلوا يحكّون جلودهم ويتبرمون من تواصل حضور البرغوث داخل ثيابهم وعلى أجسادهم. هي نفس النتيجة التي خلص إليها الأب والأم، لقد تواصل تواجد البرغوث إن لم يكن قد تضاعف.

يوم السوق الأسبوعي كان العم احمد اول الزبائن الذين تحلقوا حول نصبة بائع الديليتي، ورفع صوته محتجا أن الدواء الذي أبتاعه منه السوق الماضي ليس فيه فاعلية لانه قديم واكلته الرطوبة وحرام عليه أن يستغفله ويبيعه دواء غير صالح وغير فعال. دنا منه البائع وسأله عن الكيفية التي استعمل بها الدواء، فعرضها بالتفاصيل فضحك البائع وأكد له أنها ليست الطريقة السليمة. استغرب العم أحد من الإجابة وطالب صاحب النصبة ببيان طريقة الاستعمال المثلى. ازداد منه صاحب النصبة قربا وقال له، الطريقة بسيطة جدا، يكفي أن تقبض على حشرة البرغوث ثم تفتح لها عينيها وتضع فيها القليل من مادة الديليتي، وهكذا تقضي على حشرات البرغوث.
استشاط العم احمد غضبا فسارع بشد رقبة البائع بكلتا يديه وهو يقسم انه سيزهق روحه ويريه الطريقة المثلى للمداواة ويريح منه أمة محمد.

  • الديليتي ترجمة التركيبة الكيمياوية المشهورة: “DDT”

شاهد أيضاً

شركات سمان

الصادق الصغيري  على احدى طرقاته، رأى الفاروق عمر بن الخطاب شركات سمانا تمتاز عن غيرها، …

لماذا يكرهون الديمقراطية ؟

الصادق الصغيري  يكرهونها لانهم اجبن من ان يواجهوا انفسهم؟ يخافون ان تكشف الديمقراطية انهم التحقوا …