الإثنين , 26 أكتوبر 2020

التفكير ما بعد كورونا

أحمد الغيلوفي

“إن الأحداث الكبرى والأفكار الكبرى هي آخر شيء يُفهم. عادة ما يمر الناس الذين يعاصرونها دون الانتباه لها” ف. نيتشة -ما وراء الخير والشر-
سواء كان الفيروس صناعة أم نتاجا للطبيعة فليس ما قبل كورونا كما بعدها، وذلك لأنه حدث بالمعنى الفلسفي. أي منعرج حاسم يراجع فيه العقل مسلماته ويبني تفكيرا جديدا. سنحاول تلمَُس هذا الحدث. وما سيؤول اليه من مراجعات لـ : مفهوم الجسد في الفكر الرأسمالي وما ارتبط به من تحديد لمعنى السعادة والمجتمع والفرد في الفكر الليبرالي، ثم العام والخاص.

1. الجسد: ماركس ضد شتيرنر
ماكس شترنر هو صاحب “l’Unique et sa propriété” وهو الذي وجه له ماركس نقدا لاذعا في “الأيديولوجيا الألمانية”. ما طرحه فيروس كورونا على الإنسانية هو هذا الترابط بين مصيري وما يفعله الآخر بجسده: يقوم الحجر على فكرة العدوى أي على حقيقة أن أجسادنا “connectés” ببعضها، أنها تشكل بلغة ديلوز ريزوم واحد. إننا في الحقيقة جسد واحد. وما جسد الآخرين إلا مجرد أعضاء، لذلك، فما الحجر إلا عملية “بتر” مؤقت، ولذلك نتحسس أجسادنا كلما سمعنا عن إصابة جديدة، ولذلك أيضا نخاف كلما رأينا استهتار الآخرين بأجسادهم. طيب، ما دخل ماركس وشترنر والليبرالية بهذا؟ في “الفريد وملكيته” نجد بيضة الرأسمالية الاولى وكل شرورها اللاحقة: لكي يبرر شترنر أن الملكية الخاصة من طبيعة الإنسان قال بأن “الأنا” تملك جسدها وتتصرف فيه باستقلالية مطلقة وبالتالي لا حق للمجتمع في الحد من الملكية ولا في التدخل فيها، يقول “في الواقع أنا فريد، أن جسدي ليس كالآخرين، ولا تفكيري مثلهم، وحتى لو وضعوني مع الآخرين تحت كُلَيات عامة (فكر – جسد) فتلك أفكاركم أنتم وليست أفكاري”. لقد أدت هذه الوحدانية التي الأنانية البرجوازية. لقد أثبتت كورونا لهذا الجيل أن أجسادنا هي مجرد أشكال متنوعة لجسد واحد يخضع لنفس النظام. كما أن الجسد ليس ملكية للفرد وإنما هو عضو للجسد/ المجتمع.

2. كورونا وفلاسفة العقد
ينطلق فلاسفة العقد (المنظرون الاُول لليبرالية) من اعتبار الفرد سابقا على المجتمع. أن الأفراد هم من قرروا خلق المجتمع عبر العقد. ينتج عن هذا اعتبار الفرد خارجا عن المجتمع الذي لا يعدو أن يكون سوقا لإشباع رغباته الفردية. إنه مجرد أداة خارجية لذلك فهو غير ملزم باي واجب نحوه. في الحقيقة ولان الفكر الليبرالي عدو للمثالية فإن “المجتمع” غير موجود: هناك أفراد/ ذرات بدون اي رابط ما عدا مصالح السوق. وعليه “ليس هناك أي مؤسسة اجتماعية (يقصد بما في ذلك الأسرة) يمكن ان يضحي من أجلها الفرد. ليس هناك غير الأفراد، أفراد مختلفون يتمتعون بحيوات متفردة” R.Nozick. أيضا “لا نستطيع أن نجبر الفرد بأية تضحية حتى وإن كانت من أجل الخير العام للمجتمع” Rawls. لذلك لم ترتبط السعادة بأي قيمة ومعنى غير قابل للتكميم الرياضي. إنها رغد العيش، أي جملة البضاعات التي يستهلكها الفرد. أنه على هذا الأساس الرياضي الذي يدخل فيه دخل الفرد السنوي تتم مقاييس السعادة بين الأفراد والدول.

أما الحب فقد أصبح سائلا بتعبير باومن: “لقد دخل الإنسان عالم العلاقات العابرة ظنا منه أنه يتخفف من مسؤولياته. وحتى لا يحرم نفسه من فرص قد تظهر وآفاق قد تُستجد.. أنه يعيش في عالم النفايات حيث تمتد العين دوما إلى ما وراء اللحظة.. غير راضية ما هو مُتاح” (الحب السائل). في “بؤس العالم” يرسم بورديو صورا مؤلمة وكئيبة لهذا المجتمع: لقد تُرك الأفراد لمصيرهم وتخلى عنهم الأب والأم والمجتمع والدولة. في هذا الكتاب تقول فرانسواز “كانت أختي الصغرى سعيدة بأن تنام في الحمام لأننا لم نسكن قط في بيت به بيت حمام”. لذلك عندما يطالب ماكرون بالتضحية وبأن يمسك الذين لا يعملون أطفال من يذهبون للعمل إنما يلتجئ إلى أخلاق غير ليبرالية. ما بينه امتحان كورونا هو أن الإنسان كائن اجتماعي وليس فردا / ذرة لأن الخلاص جماعي وليس فردي.

3. العام والخاص
لأن المجتمع غير موجود قامت النيوليبرالية على رفض تام للملك العام، رفضت دولة العناية ومنعت تدخلها في الاقتصاد: يجب خوصصة كل شيء حتى تزيد أرباح رأس المال فيزيد من استثماراته فيشغل المزيد من الناس. ثم إن المنافسة ستجعل رأس المال يطور الخدمات فتتحسن أفضل مما كانت عليه تحت إشراف الدولة. ما حدث هو العكس: وقع استثمار الأموال في البورصة وليس في مشاريع جديدة وتقاسم رأس المال القطاعات فلم تحدث المنافسة فانهارت الخدمات. فازداد عدد العاطلين الفقراء ولم يعد بإمكانهم القدرة على النقل والتعليم والتداوي.

زيجمونت باومان

فما هو البديل؟ في “الشر السائل” يحلل باومن شعار تاتشر “لا بديل”. يقول: ترتكز النيوليبرالية على مانوية صريحة: الشر موجود في العالم ولا يمكن إزالته. ليمت من لا يستطيع أن يأكل أو يتدواى. ثم ماذا نفعل بهذه الأكداس من البشر الفقيرة والجاهلة؟ ليبقى من هو قادر على البقاء. إنها الداروينية الاجتماعية. بينت كورونا أن تلك الأكداس من البشر يجب الاعتناء بصحتها ونقلها حتى لا يموت الأغنياء معها. كما بينت أن هناك قطاعات حيوية لا يجب التفريط فيها لأنانية رأس المال لأنها ضمانة لاستمرار المجتمع. ان اعلان المصحات الخاصة عن تسخيرها لغرف الإنعاش لصالح المرضى دليل على أن الخاص يجب أن يكون عاما، كما تفطنا -اخيرا- ان خوصصة الصحة وتدمير المشفى العام كان خطأ قاتلا. إن المجتمع سابق على الفرد كما أن الثروة الخاصة للمجتمع حق فيها. أما توجيه كل شيئ نحو الربح الخاص على حساب إنتاج الإنسان فإننا لا نلاحظ خطره إلا في المحن التي تهدد وجود المجتمع. سوف تساهم كورونا في مراجعات حادة في السياسة النيوليبرالية ولدور الدولة وللعلاقة بين الخاص والعام ولعلاقة الفرد والمجتمع. في المِحن العامة لا نجد غير العائلة والمجتمع والقطاع العام.

شاهد أيضاً

جماعة “الربيع العبري”: كائنات غير عاقلة

أحمد الغيلوفي  في كل مناسبة يهرعون إلى العبارة الجاهزة “ربيع عبري” يمتصّون بها كل الأحداث: تطبيع …

ثورات كوندوليزا رايس !!

أحمد الغيلوفي  لست ادري أين وقع البعض على ما يقول بانها رسائل السيدة كلنتون التي تقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.