fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

كورونا: إمتحان كتابي للأمم

أحمد الغيلوفي

اقترنت الأوبئة في العصور الحديثة بأمرين : انهيار وفناء القوى التقليدية القديمة وميلاد قوى جديدة. سنحاول تأكيد هذا الافتراض:

أعلنت الصين أمس أنها سيطرت على الفيروس “عمليا”. قالت عمليا ولم تقل مخبريا. وبثت القناة الفرنسية الثانية تقريرا من الصين عن كيفية تعامل الصينيين مع الوباء: انضباط صارم واستعمال على غاية من التطور لتكنولوجيا الاتصال: تطبيقات داخل الهواتف الجوالة تُعطيك مواقع الأشخاص والأماكن الحاملة للفيروس، وتعطيك بدقة المسافة التي تفصلك عنها. لا تدخل الأماكن العامة إلا إذا ظهر لك الضوء الاخضر على هاتفك اما اذا كان احمر فعليك بالعودة لمنزلك وأن لا تخرج منه.

سيطرنا عليه “عمليا” تعني: استطعنا عزله ومراقبته وايقافه. أي منع اختلاط المصابين بالأصحاء. طائرات “الدرون” تجوب الشوارع وبها كاميرا حرارية اذا رصدت سيارة بها مريض ترسل رقمها وموقعها اتجاهها إلى الشرطة فيتم اعتراضها وقيادة من فيها إلى العزل. ما دلالة أن يقول الصيني “اذا ظهر لي الضوء أحمر أعود إلى منزلي” وان يجيب التونسي عن سبب خروجه من الحجر الذاتي “قلقت خرجت”؟ إنه الفرق بين مجتمع انضباطي ومجتمع الفوضى. ما العلاقة بين الانضباط والقوة والانتصار على الأوبئة؟ للإجابة نحتاج إلى استطراد طويل نسبيا: في “المراقبة والمعاقبة” يشرح فوكو الرّحم الذي خرجت منه الدولة الإمبراطورية في أوروبا: إنه الصراع مع الوباء، وللحداثة علاقة سرية بالأوبئة: فبينما كانت الإيالات في الدولة العثمانية تخسر 1/3 او 1/4 سكانها جراء السلوك الغير عقلاني تجاه الأوبئة كانت اوروبا تُعَقلِن الجسم الاجتماعي وتضبطه بقسوة كلما هاجمها الوباء، فتُتنج الإنسان الانضباطي.

كيف حدث ذلك؟ وكيف تحول الانسان الاوروبي من كائن فوضوي إلى كائن انضباطي ثم الى قوة إنتاج رهيبة ثم إلى آلة عسكرية صارمة هاجمت الأمم المريضة والهمجية؟ في “المراقبة والمعاقبة” وتحديدا الفصل الذي يعنونه بـ “le Panoptisme” يرصد فوكو هذا المسار والدور المحوري الذي لعبه الوباء في ذلك. يقول: في أواخر القرن 17 وعندما تفشى الوباء اتخذت التدابير التالية: اغلاق المدينة الموبوءة ومنع الخروج منها تحت طائلة الإعدام. تقطيع المدينة إلى أحياء حيثُ تُقام في كل حي سلطة إشراف. كل حي يتولى مراقبته إداري إذا تركه يتعرض للإعدام. يغلق الإداري كل بيت ويأخذ المفتاح معه بعد أن تكون العائلة قد أعدت مؤونتها. يمر الإداري كل يوم امام البيت ويقوم بالمناداة وعلى الجميع أن يظهروا وجوههم من النافذة. إذا مات فرد يُرسَلُ إليه “الغربان”* لدفنه. يرتكز هذا الحجز على نظام مراقبة وتسجيل دائمين: تقارير الإداري إلى المشرفين وتقارير هؤلاء إلى المحافظ. يوضع جدول إحصائي لكل السكان واحدا واحدا: اعمارهم واسماءهم واجناسهم وعناوينهم وحالاتهم، وتُرسل كل يوم تقارير حولهم واحدا واحدا. لقد وقع اغلاق الفضاء وتقطيعه ومراقبة كل جوانبه وحشر الأفراد في أماكن ثابتة حيث تُراقَب أقل حركة ويُسجل كل حدث ويُربَطُ الأطراف بواسطة التقارير بالمركز.

إن الطاعون الذي ينتشر بالفوضى قد جُوبه بميلاد الجهاز الانضباطي، ما ينتشر ويقتل بالفوضى قد جوبه بسلطة الانضباط. “إن الطاعون هو ما أنتج الهيكليات الانضباطية”. لقد وقع انقلاب حاسم: من السلطة المُشخَصه في الامير القروسطي الذي تشاهده كتلة السكان الفوضوية فوق حصانه ولا يراها إلى الجسم السياسي المُقسم إلى أفراد مُدوٌنين ومرقمين ومُثبتين ومراقبين من سلطة ميكرو فيزيائية غير مرئية. إنه في الطاعون يجب تثبيت كل شيء، وحدها السلطة من يتحرك ويراقب ويفصل ويجمد ويحاصِر المرض. المريض الذي يتحرك يقتل.

في الصفحة 217 يحلل فوكو كيف وُلِدت المعجزة الأوروبية من تجربة مواجهة الطاعون في نهاية القرن 17. لقد وقع الاستفادة من استبطان الأوروبي للنظام والانضباط فوُلدت المؤسسه العسكريه لا كشرذمة تمارس النهب بل كتقنية تُسرًِع الحركة وتُكثف النار وتقُسّمُ المنافس وتفصله وتعزله (الانقليز احتلوا الهند بـ 60 ألف جندي). في المعمل ساهم الانضباط بالتسريع وتكثيف الإنتاج. في المدرسه يساهم الانضباط في سرعة نشر العلم وتكثيف إنتاج المهندسين والأطباء عبر المراقبة والعقاب والامتحان.

علينا إذا أن نتوقع ما سوف يفعله كورونا بالمجتمعات الفوضوية وغير المنضبطة كما علينا استشراف القوى الصاعدة انطلاقا من شكل تعاملها مع هذا الفيروس. اذا لم يقع انتاج مضاد له لن ينجو منه إلا من يستطيع تحييده انضباطيا. والأمم التي تستطيع ذلك هي إمبراطوريات القرون اللاحقة. سوف تتفوق إنتاجيا وعسكريا وتقنيا. إنها الآلات الأكثر إحكاما وقوة. البقاء للاقوى تتجلى أولا في مواجهة الطاعون.

  • “الغربان” هم أشخاص قليلو الأهمية كانوا ينقلون المرضى ويدفنون الموتى ويقومون بالأعمال الوضيعة.

شاهد أيضاً

مقامة السندِباد وأكبر قوة في البلاد

أحمد الغيلوفي  من عجائب الدهور وغرائب العصور ما حدّث به سِندباد البحور وڤطّاع البُرُور. قال: لمّا …

بعد الجرعة الأولى من التلقيح ضد فيروس كورونا

حاتم الغزال  بلغت اليوم العاشر بعد الجرعة الأولى من التلقيح وبالتالي تكوّنت عندي مناعة ضد …

اترك رد