fbpx
السبت , 23 يناير 2021

نقد ازدواجية معايير “النخبة الحداثية” عند قراءة الفصل السادس من الدستور

عادل بن عبد الله

في الفصل السادس من الدستور، يقول المشرع التونسي: “الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي.
تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها”
.
ورغم أن صاحب المقال ليس من المختصين في القانون الدستوري، فإن من حقه باعتباره مواطنا تونسيا يحكمه ذلك الدستور أن يطرح التساؤلات التالية:

• إذا كان من واجب الدولة فعلا أن تكفل حرية المعتقد والضمير.. إلخ، فإن ما انبثق من هذه المقدمة من وظائف للدولة يبقى محل إشكال وتنازع، خاصة إذا ما ولينا وجوهنا شطر تجارب علمانية مختلفة عن النموذج اللائكي الفرنسي، الذي تحولت فيه العلمانية إلى دين ينافس الأديان التقليدية وظائفها. فبأي حق تنصّب الدولة نفسها راعية للدين؟ وكيف يمكن أن نضمن حيادية الدولة أو دور المجتمع المدني في هذه المسألة؟ وعن أي دين يتحدث الدستور؟ هل المقصود هو الدين الإسلامي؟ (إن كان ما يعنيه المشرع هو رعاية كل الأديان، فلماذا لم يستعمل الدستور تعبير “راعية للأديان”؟). وإذا ما سلّمنا جدلا بأن المعني بالدين هو الدين الإسلامي، فما هو المذهب الذي على الدولة رعايته؟ وما هي القراءة التي عليها تبنيها من داخل المذهب وبأي حق؟ وهل الدولة راعية لـ”دين السلطة” أم لتدين الشعب؟ أم لكل التمثلات الدينية مهما اختلفت أو خرجت عن التراث الجمعي السني (المالكي الأشعري)؟

• ما معنى حياد المساجد الوارد كمبدأ دستوري، وهي في الواقع غير محايدة لأنها مطالبة بنشر مفهوم الدولة للدين؟ أي هي مطالبة بنشر مفهوم معين للدين تقف وراءه تشكيلات حزبية وتيارات فكرية، تعتبر أنفسها الأقدر على إعطاء المعنى الصحيح للدين، حتى إن عارض التراث الفقهي أو التدين العفوي للناس. وبأي حق تحتكر الدولة المساجد وكيف يمكن ضمان ذلك الحياد وفعاليته في إنتاج المعنى الديني المقبول اجتماعيا على أوسع نطاق، أي خارج احتياجات النخب المعلمنة وبعيدا عن نظرتها “الاستشراقية” والتغريبية لأشكال التدين؟

• لقد جرّم الدستور التونسي (عن حق) التكفير والتحريض على العنف، ولكنّ الملاحظ في تعاطي النخب “الحداثية” مع هاتين المسألتين هو تضخيم تلك النخب لقضية التكفير وتهميشها لقضية التحريض على العنف. فأغلب النخب “الحداثية” تعتبر التكفير خطرا على السلم الأهلي وعلى الحريات الفردية والعامة وعلى الانتقال الديمقراطي ذاته، ولكنها لا ترى في خطابات التحريض على العنف الموجه ضد “الإسلاميين” خطرا مماثلا، بل يبلغ الحال ببعض النخب أن تدافع عن الخطابات الاستئصالية (التي أسميتها في مقال سابق بـ”التكفير المعلمن”)؛ باعتبارها ضربا من حرية التعبير المكفولة في الدستور. فالنخب “الحداثية” غير معنية بطرح الإشكالات واجتراح الحلول؛ بقدر ما هي مشغولة بالدفاع عن كل ما يضادد الإسلاميين، ولو جاء من مواقع تلفظ فاشية كتلك التي نجدها عند رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى.

لا يمكن لأي متابع للشأن التونسي أن ينكر وجود خطر تكفيري حقيقي، ولكنّ حصر المخاطر التي تتهدد الانتقال الديمقراطي في التكفير الديني (ذي المرجعية الوهابية أساسا)، دون سائر الخطابات العنيفة والدوغمائية المنتمية زورا وبهتانا للمرجعية الحداثية، هو سلوك ذهني يعكس انفصاما فكريا وازدواجية في المعايير، هما أبعد ما يكون عن “التنوير” وعن وظيفة المثقف، باعتباره منحازا للحقيقة (معرفيا) ولمن هم أسفل (اجتماعيا).

فخطابات عبير موسى التي تجسّد الوجه الأقبح والأقذر لمعنى “الحداثة”، ما هي في الحقيقة إلا “تكفير معلمن”. فهي تكفير لا يختلف عن التكفير الديني في شيء إلا من جهة المرجعية، أما من جهة المفاعيل الكارثية على السلم الأهلي وعلى الانتقال الديمقراطي، فإنه قد يكون أشد فتكا من التكفير الديني. كما أن خطابات عبير موسى وأشياعها من مدعي الحداثة والبورقيبية، ما هي إلا تحريض صريح على العنف. فالعنف الرمزي الذي تحمله تلك الخطابات في “نظام التسمية” (إخوانجية، إرهابيين، ظلاميين، لا وطنيين، غير تونسيين.. إلخ)، هو مدخل ملكي لشرعنة العنف المادي، كما أنه يُمثل (في معارضة صريحة لمبادئ الدستور) غطاء سياسيا لممارسة التمييز بين المواطنين في الوظائف المدنية والأمنية والعسكرية، على أساس معتقداتهم وأفكارهم وخياراتهم الدينية.

إذا كان وراء كلمة كافر تراث كامل من العنف، فإن وراء كلمة “خوانجي” تراث عنيف هو أقرب إلى آلاف التونسيين وأعظم من التراث التكفيري. فكم من تونسي مات (قبل الثورة وبعدها) نتيجة فتوى تكفير ديني، وكم مات منهم وتشرد نتيجة فتوى تكفير معلمن أصدرها “حرّاس النمط المجتمعي التونسي” في عهد المخلوع؟ ولماذا لا تعتبر النخب “الحداثية” خطاب عبير موسى تحريضا على العنف أو تمييزا على أساس المعتقد، أو ضربا للسلم الأهلي أو تكفيرا معلمنا، رغم أنها لا تعتبر “الإخوانجية” تونسيين ولا حتى بشرا يستحقون الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية، وتدعو إلى إحياء المقاربة الاستئصالية دون تورية؟ وما الفرق بين خطاب ذي مآلات تكفيرية وخطاب ذي مآلات استئصالية من حيث الانتماء إلى الأيديولوجيات الدوغمائية المتعارضة بالجوهر والقصد مع الجمهورية الثانية؟

إنها أسئلة نعلم يقينا أنها ستبقى دون أجوبة على الأقل في المستوى المنظور؛ فـ”النخب الوظيفية” لا يعنيها بناء المشترك المواطني، ولا يسرها إعادة التفاوض على ما يؤسس ذلك المشترك، ولذلك فإنها ستبقى (في أغلبها الأعم) مشغولة بالقضايا الثقافوية التي تضرب الانتقال الديمقراطي، وتزيد من ترذيل المشهد السياسي ومن كفر المواطنين بالثورة.

من مقالي الأسبوعي في صحيفة عربي21 الإلكترونية

شاهد أيضاً

رسالة مفتوحة لكهنة “النمط المجتمعي التونسي”

عادل بن عبد الله  أتحدى كل الذين ينتسبون إلى النخبة “الحداثية” الرسمية -لا المهمشة والمقموعة- …

ماذا بقي من الثورة التونسية؟

عادل بن عبد الله  رغم حرص الخطاب الرسمي على تبرير الإجراءات الوقائية الاستثنائية الأخيرة بأسباب …

اترك رد