fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

هل التّكفير حكم شرعيّ ؟

سامي براهم

العبارة دارجة في مدوّنات الفقه وأصوله لكن هل هي على الحقيقة أم المجاز ؟

هذا يقتضي تعريف الحكم الشرعي وهو كما يعرّفه الأصوليون “خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع” أي باختصار ما اقتضى الشّارع فعله أو تركه، أو التّخيير بين فعله وتركه، وهو الأحكام التكليفية وفق أقسام خطاب التّكليف التي تتضمن الفرض، والمندوب، والمحرّم، والمكروه، والمباح،

والحكم الشرعي عندهم لا يثبت إلا بالكتاب أو السنّة الصحيحة.

فاعتبار التّكفير حكما شرعيّا تبعا لذلك يقتضي أوّلا أن يتعلّق به نصّ تكليفيّ وثانيا أن يندرج ضمن أقسام الحكم التّكليفي الخمسة.

وأوّل ما تجدر ملاحظته أنّ عبارة التّكفير ليست من الألفاظ الشرعيّة فلم يرد البتّة بلفظه في أيّ نصّ من نصوص القرآن والسنّة ولم يرد بالتّصريح أو التّلميح في أيّ أمر تكليفي حيث لم يدع أيّ نصّ من النّصوص القطعيّة أو الظنيّة إلى التّكفير أي إيجاب الحكم بكفر الأشخاص المتعيّنين ، بل ورد في الحديث النّبويّ التّحذير من قول أيّ امرئ “يا كافر” لأخيه المؤمن دون استعمال عبارة التّكفير.

لقد عدّدت النّصوص الأفعالَ التي هي عنوان للإيمان والقيام بها يجعل الشّخص مؤمنا، والأفعالَ التي هي عنوان للكفر والقيام بها يجعل الشّخص كافرا، ولكن ليس هناك البتّة تكليف شرعيّ صريح أو ضمنيّ لأيّ سلطة عموميّة أو أيّ شخصيّة اعتباريّة لإخضاع النّاس بمقتضى أفعالهم للاختبار والامتحان لتمييز المؤمن من الكافر وتقرير حكم دنيويّ في ذلك وتعيين عقوبة مترتّبة عن عدم الإيمان، بل قصارى ما يستفاد من النّصوص هو العلم بالأفعال التي تدخل الشّخص دائرة الإيمان والأفعال التي تجعله خارج دائرة الإيمان أو تخرجه من هذه الدّائرة بعد دخوله إليها وكثير من هذه النّصوص مجملة لأنّها تتعلّق بما وقر في القلب وصدّقه العمل.

فالتّكفير بهذا المعنى ليس حكما شرعيّا مستفادا من منطوق النصّ المؤسّس أو خطاب الشّارع المتعلّق بأفعال المكلّفين حيث لا يتعلّق به أمر أو نهي، أو مدح لفاعله وذمّ لتاركه بل لم يكن شيئ من ذلك مذكورا بلفظه أو فحواه.

بل حذّرت النّصوص من أطلاق صفة الكفر على المؤمنين “أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه” حديث نبويّ

لكنّ مقتضيات اجتماعيّة وسياسيّة ومذهبيّة أدخلت التّكفير ضمن دائرة الأحكام الشرعيّة المستفادة من النّصوص بالتبعيّة عن طريق الاستنباط دون أن تكون ضمن دائرة الأحكام الشرعيّة المنصوصة.

وبمقتضى ذلك حصل الانحراف من مجرّد حثّ النّاس على التزام الأفعال التي يكونون بها مؤمنين واجتناب الأفعال التي تجعلهم في دائرة الكفر إلى الحكم على أفعال الأشخاص المتعيّنين وعقائدهم وأقوالهم وأفكارهم وترتيب أحكام وعقوبات على ذلك، بل وإيكال أمر تقرير هذه الأحكام والعقوبات للقضاء وصاحب السّلطة السياسيّة. وقرّرت السّلطات الفقهيّة والسياسيّة والقضائيّة انتفاء عصمة الدّم والمال والعرض عن المحكوم بكفره أو ردّته أضافة لما قرّرته النّصوص من عقوبة أخرويّة.

بل جعلت تشريعات بعض الدّول الإسلاميّة الحديثة التّكفير حكما قضائيّا بيد القاضي وجعلت له إجراءات خاصّة كالتفريق بين المرتدّ وزوجته وحرمانه من الولاية على أبنائه وفقدان الولاية والمناصرة من المسلمين بل يحرم حتّى من حقوق الميت كالغسل والتّكفين والصّلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين بعد تنفيذ وهي أحكام تنفّذها الدّولة.

هذه الأحكام المشدّدة هي التي جعلت أبا حامد الغزالي يصنّف كتابه كتاب فيصلُ التفرقة بين الإسلام والزندقة حيث ورد فيه تضييق للنّزوع إلى التّكفير حيث قال:
“التكفير حكمٌ شرعيٌ يرجع إلى إباحةِ المال وسفكِ الدماء والحكمِ بالخلود في النار، فمأخذهُ كمأخذِ سائر الأحكام الشرعية، فتارةً يُدرك بيقينٍ، وتارةً يُدرك بظنٍ غالب، وتارةً يُتردد فيه، ومهما حصل ترددٌ فالتوقفُ عن التكفير أولى، والمبادرةُ إلى التكفير إنما تغلب على طباعِ من يغلب عليهم الجهلُ”.
وجعل مع ذلك للتّكفير ضوابط ومعايير.

وقال ابن تيمية في فتاواه “فقد يكون الفعلُ أو المقالةُ كفراً، ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا فهو كافرٌ، أو من فعل ذلك، فهو كافرٌ. لكن الشّخص المعيّن الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجةُ التي يكفر تاركها. وهذا الأمر مطردٌ في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يُشهد على معينٍ من أهل القبلة بأنّه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع”.

وأضاف تبعا لذلك:

“ولهذا يجب الاحترازُ من تكفير المسلمين بالذّنوب والخطايا، فإنّه أوّلُ بدعةٍ ظهرت في الإسلام، فكفَّر أهلُها المسلمين، واستحلّوا دماءهم وأموالهم”.

جماع القول في ذلك أنّ قول القائل التّكفير “حكم شرعيّ” يكون بالتبعيّة لا الأصل… أي لا يدخل التّكفير في الأحكام الشرعيّة بالشّرع بل بتأويلات اقتضتها سياقات تاريخيّة اقتضت تصنيف النّاس بحسب معتقداتهم، ومنع التّكفير ليس بمخرج إدارة الشّأن العامّ من دائرة الشرعيّ، خاصّة إذا تعاقد المجتمع على إدارة مدنيّة لا يتمايز فيها النّاس بحسب صحّة معتقداتها أو دخولهم في دائرة الإيمان وخروجهم منه بل بحسب نفعهم لبعضهم البعض وخدمتهم للصّالح العامّ وتبقى مسائل الاعتقاد والآراء مجالا للبحث العلميّ والحوار الفكري المشمول بحريّة التّفكير والتّعبير دون أن يكون للسّلطات العموميّة سلطة على ضمائر النّاس.

شاهد أيضاً

السوسيولوجي والأمني… وإعلام المرافقة الأمنيّة…

سامي براهم  عندما كنت أستضاف في بعض وسائل الإعلام أو يطلب منّي التّصريح برأي حول …

أضغاث أحلام

سامي براهم  انتقال ديمقراطي بكلّ عيوبه وتعثّراته ورداءاته افضل من الفوضى والمجهول… ثورة جديدة تعبير …

اترك رد