fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

محمّد عمارة: توضيح “حقائق الاسلام” أم “الردّ على الشُّبهات” ؟

سليم حكيمي

بعد هزيمة 67 الناصريّة، الايديولوجية العلمانيّة العسكرية القائدة التي انتهت بضياع الأمة وخسارة غزة وسيناء والقدس والجولان، وانتهت بخسارة 25000 جندي بين مصريين واردنيين وسوريين دُفن بعضهم أحياء مقابل مقتل 800 اسرئيلي فقط، سُئل المفكر محمد عمارة عن رأيه في جيل الدعوة زمن الصّحوة الإسلامية التي عمّت بعد الهزيمة ردّا على الاهانة وبحثا عن سبيل، وعرفت النضج والأوج في ثمانينات القرن الماضي، فأثنى على جهدها في تصحيح بوصلة الامّة، ولكنّه قال عبارة فائقة المعنى: “بسْ همُّا فالْحين الاّ في الوعظ والارشاد، ولكنهم حين يلتقون بالعلمانيين واليسارين يرتبكون ولا يقنعون، بينما اليساري تِلاقِيه زيْ اللِّبْلبْ رغم باطله”. تلك العبارة تفسر كل منهج المفكر الذي عاصر جيل الأزهر الذهبي… زمن سمعته الضاربة، والفَطن بثغرة الإسلاميين في مواجهة الخصوم، فاستل من الثقافة الاسلامية كل عناصر القوة التي تربك أي طرح مخاتل ومغالط.

جواهر مكنونة في كل المدوّنة تنتقل بالمسلم من ضعف “الردّ على الشّبهات” إلى ثقة تقديم “حقائق الإسلام” وهنا جوهر الفرق وكنه مشروعه. فالإسلام ليس دينا من لا دين له، ولم يظهر ليعلمّ الناس كيف يشعرون بل كيف يعيشون، ليس فلسفة بل منهج حياة، ولا يحوي شبهات يُردّ عليها بل حقائق لم تُوضّح. لأنه، في أسوأ الاحوال، قضيّة رابحة بيد محام فاشل..

ثار الرجل ضد الكسل الفكري للإسلاميين الذين لم يعودوا يقرؤون، وظنوا أنهم دعاة بمجرّد مجاورتهم الدعاة أو التقاط صور مع شخصيات ليضفوا على أنفسهم وجاهة وهميّة وعلما يسقط في أول مواجهة فيَخسَرون ويُخْسِرون. لا يجد منطق الإسلاميين معنى دون قدرة على إخراج الخصوم والإلقاء بكرة اللهب في ملعبهم. كان محمد عمارة اول مخاصم لسلفية ارثوكسية متحجرة لم تر في الاسلام وجهه الحضاري وأعلت من شأن فقهاء عصر التراجع وكتب “القول المأثور في تأثير البخور” وحطت من قيمة علماء الحضارة والعمارة. ثم ثَنّى على ثقافة علمانية اقصائية وايديولوجيات عقيمة الأثر. لم يتحرج الرجل من سؤال يوما، لأنه جاء من منطقة الجدل فانتهى في مرفأ التسليم. فأثار كل الأسئلة وواجهها بشجاعة، لا يدور حول السؤال ويتصدّى للحرج الفكري بأجوبة غير مواربة وبشجاعة أدبية. عرف خصومه وواجههم في مربّعهم، تطرح عليه السؤال فتجد نفسك مهجوما عليك. يعرف الفكرة ومداها و عمقها، ويجيب من داخل النسق، والحوار معه يتقدم بك الى الأمام. لا يلوذ بسحابة اللّغة كي لا يواجه الفكرة، ورغم أنه سليل المشرق فإن خطابه لم يكن انشائيا. رجل فكر وموقف: موقفه في مستوى فكره وفكره في مستوى موقفه، يتحرّى ويقدّم الموقف بحدوده واستثناءه واستدراكه…

لا يمكن لطرحك أن تكون له قيمة حين يحرجه الغير بمجرد سؤال جزئي ودقيق. وجزء من انتصارات الإسلام النّاعمة هي انتصارات منطقه وكانت المناظرة وجها منها. تاريخيا، أرسل علي بن أبي طالب “ابن عباّس” إلى الخوارج ليناظرهم فغلبتهم حُجّته، فعاد منهم ألفان إلى الحقّ. وناظر الدّاعية “أحمد ديدات” قساوسة وأحبارا في قلب أوربا وأمريكا فأسلم الآلاف، بينما سارت قيادات إسلامية دون تسلّح إلى برامج تلفزية فانهزمت بسبب سوء أدائها لأنه ظنّت أن مجرد الاسم والوسْم ضامنا النصر، وعملة الماضي تصرف في كلّ العصور، في حين أن العرب تقول “قبل الرّماء تُملأ الكَنائن” كناية عن التسلّح قبل الحرب. محمد عمارة: تمحيص التراث… في ضوء العقل… والفصل بين القمح وزؤانه في قضايا جدلية الناسخ والمنسوخ والشيعة ودين الشيعة وقضايا الرجم… وكل ما بنى عليه الغرب ووكلاؤه وهْمَه،.. برنامج “الردّ الجميل” في قناة “اقرأ” الفضائيّة زمن القحط الشّيوعي النوفمبري، واحة استظل فيه كل مسلم يتيم الحيّ وغريب الدين واليقين من رمضاء قهر واهانة قسرية فرضها جهل مركّب، وتلفزة تزيّف وعيا حتى استوى على سوق الاستبداد دهرا. يذكر المشاهدون قوله لنوال السّعداوي زعيمة النسوية المتطرّفة حين تساءلت، لتبين انحياز الله للذكور، عن سبب توبة الله على آدم وليس حواء؟؟؟ بأنها لو قرأت القرآن لعرفت انّ الذي “نسي ولم يجد له عزما ومرتكب الخطيئة هو آدم وليس حواء… ولما تاب تاب الله عليه.” موضحا أنه خطأ الإسلاميين أيضا في رؤية الموضوع، مبينا تهافت رأيها حول الميراث لأنّ فلسفته ومعايير التفاوت فيه لا علاقة لها بمعيار الأنوثة والذكورة بل بموقع الجيل الوارث.. فانهارت كل قواعد بناء “نظريّتها”..

حينها كان محمد عمارة مخزن المنهج والذّخيرة. لينهي مشواره بشهادة اكد فيها على أن ما يسمى بثورة 30 يونيو بمصر انقلابا عسكريا سافرا، وأن الثورة الحقيقية هي ثورة 25 يناير 2011.
القائد من خلّف قادة وليس اتباعا وأشياعا و”إنّما المرء حديث بعده”..

رحمه الله

شاهد أيضاً

الإنقلاب على الديمقراطية يوم 17 ديسمبر : الدّولة بين الشّعب ومصير فنزويلا… و”البيرُو”

سليم حكيمي  بلغ السيل الزُّبى، وقد تهوي البلاد إلى مصير دول أمريكا اللاتينية ولن يفيد …

الأمّهات العازبات ومخطّط هدم الأسرة في تونس

سليم حكيمي  في محاولة لتخفيف الجُرم باللغة، ابتدعت نخبنا تعويض الزانية بـ “المرأة العزباء”، و”السّفاح” …

اترك رد