fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

ماذا لو كنا شعبا ملحدا ؟

توفيق رمضان

الإلحاد هو عدم الاعتقاد في وجود الله أو الايمان به. وبالتالي إنكار أي دين ولو أن بعض الملاحدة يخيرون وصفهم بـاللادينيين لان منهم من ينكر الدين مطلقا ولا ينكر وجود الإله.

دون الغوص في تاريخ الإلحاد ونشأته والتمييز بين الإلحاد الغربي والإلحاد العربي. طرحي لسؤال ماذا لو كنا شعبا ملحدا ؟ جاء بعد متابعة للأحداث وخاصة منذ الثورة وما حايثها من مناقشات وصراعات وبرامج انتخابية للأحزاب السياسية. الاتفاق الحاصل الذي كرسه الدستور من أن تونس دولة مسلمة (رغم ان القول الأصح هو اغلبية الشعب التونسي مسلم). والدعوة من جميع القوى السياسية الى القفز على كل ما هو هووي، والابتعاد عن الخوض في مثل تلك المواضيع التي لا تزيد إلا في تعميق الفرقة وإلهاء الشعب عن قضاياه الحقيقية. لم يمنع الرجوع الى خطاب الهوية بل هو اساس اغلب المشاريع والبرامج عند بعض الأحزاب السياسية.

عند الحملتين الانتخابيتين الرئاسية والتشريعية حضر العنصر الديني بقوة بل أحيانا كان هو المحدد. تقييم المرشحين وأسس اختيار احدهم او رفضه يكون عادة بعد التسويق له كمؤدي لفرائضه الدينية ومعارض لكل المبادرات التي فيها مساس من الشرع (حسب نظرهم) في حين يهاجم آخر لأنه سكير وماجن ويقود حملة ضد الدين ويريد اقتلاعنا من جذورنا والتنكر لاصلنا وفصلنا. رغم ان الاصل والاساس في الاختيار يجب ان يكون برنامج الشخص والحزب، حلوله ومقارباته للنهوض بالواقع الاقتصادي، لمكافحة الإرهاب والجريمة، الارتقاء بواقع التعليم وإصلاح المنظومتين الصحية والفلاحية…

مداخلات بعض النواب في جلسة منح الثقة للحكومة واصلت السير في نفس الاتجاه. البعض يرفض الحكومة لأن رئيسها لا يساند تجريم المثلية، يساند المساواة في الإرث وهو ما فيه مخالفة لشرع الله كما يسوقون. بينما كنت انتظر نقدا للتوجهات والأفكار، رفضا مؤسسا على معطيات وأرقام وعلى غياب الكفاءة عند الفريق الحكومي أو البعض منه، على مناخ عدم الثقة السائد بين مكونات الائتلاف الداعم للحكومة وهو ما يشكل عائقا أمام نجاحها ربما. بن علي لم يكن مع المثلية ولم يطرح مسالة المساواة وله تحفظات على اتفاقية سيداو فهل حقق شيئا ؟ ألم يكن مستبدا، ظالما، سارقا لقوت التونسيين ؟ دول الخليج أغلبها تطبق فيها “الشريعة” فهل يحترم فيها الانسان ؟ هل تحترم فيها الحقوق والحريات مثل دول الغرب الكافر ؟ ألم يحكم من يدعون تطبيق الشريعة في السودان ماذا حققوا ؟ ربما نجحوا في تقسيمها.

انتشار خطاب التكفير واتهام الآخر بالعلمنة وبالتنكر للأصول والتراث والسعي نحو تغريب المجتمع وجعله مسخا. أصبح أداة للتغطية على الفشل في إدارة الشأن العام وتحويلا أو تغييرا لوجهة الصراع الحقيقية في ظل نقص الوعي وتغييب العقل. مخاطبة الوجدان وتهييج المشاعر الدينية وتصوير المعركة على أنها ضد الإسلام وقيمه تمكن من حصد الأصوات والتقدم في المراتب لأن الشعب لم يبلغ درجة من الوعي كما قيل ذات يوم.

أمام هذا الاستثمار في التخويف على الإسلام نجد كذلك للأسف البعض من دعاة الحداثة أو دجاليها ممن يستثمرون في التخويف منه، وهم بذلك يساهمون في تأصيل مثل هذه الخطابات (المرتكزة على الهوية) وتمتيعها بالشرعية من خلال ما يتخذونه من مواقف غريبة من الدين ظنا منهم أنهم بذلك يحمون المجتمع أو النمط المجتمعي كما يقولون من مظاهر الدعشنة والأخونة والاشيعة والوهبنة. لذلك يقتصر مشروعهم على التمترس خلف كل المقولات المناقضة للطرف المقابل لهم في الساحة السياسية بما يمكن هذا الأخير من الحفاظ على لقب حامي الدين وحارس العقيدة في مواجهة القوم الأشرار دعاة الفسق والمجون.

ان كانت هناك أحزاب تدعي المرجعية الإسلامية أو تتاجر بالدين عند التوجه للناخب فهناك أخرى تتخذ موقفا من كل ما هو ديني وترفضه حتى تشعر بتميزها وتفردها كقوى تقدمية تنويرية (رغم ان التقدمية تعني إعادة إنتاج الخطاب الديني العصري) وهي بذلك تساهم في تغذية الصراع الهووي وتأبيده لكن تنسى أن معركتها خاسرة لأن الأرض والجمهور مع الطرف المقابل، وان ما تدعو إليه (قيم الحداثة) من اعمال للعقل وإعادة قراءة التاريخ وتجديد الخطاب الديني سيؤجل لسنوات قادمة قد تطول لأنها لم تحسن التعامل مع الموجود في توقها للمنشود.

ماذا لو كنا شعبا ملحدا ؟ لا يؤمن بالله وينكر أي دين هل كنا سنناقش ونقيم الاحزاب على اساس برامجها ؟ وعلى أساسها نختار ونصوت. ثم على قدر تحقيقها نجازي ونعاقب انتخابيا. هل سنسأل الاحزاب عن كيفية تحقيق وعودها ؟ من اين ستاتي بالأموال مثلا ؟.
ربما البعض سيراني اختصرت الاشكال في العنصر الديني. لكن هو أهم عنصر أراه مستغلا من البعض لتحويل أسس التقييم. سواء من يتاجر به ويوظفه أو من يدافع عن حداثة مزيفة يراها في معاداته ومعاداة كل ما يتصل بالتراث الحضاري عموما.

شاهد أيضاً

لا نفرق بين أحد من رسله

توفيق رمضان  لا يستفزني نشر رسوم كاريكاتورية عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.. وأقول …

هل يطفئ المؤتمر الاستثنائي نجمة الاتحاد ؟

توفيق رمضان  أثارت مصادقة المجلس الوطني لاتحاد الشغل على الدعوة إلى عقد مؤتمر استثنائي غير …

اترك رد