fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

قارورة الفانتا

حسن الصغير

في أواخر سبعينيات القرن الماضي كانت ولائم الأعراس في قريتنا تقتصر على وجبة من الكسكسي ولحم الضأن تقدم للجميع عصر يوم العرس، وكنا نحن الأطفال نشد لها الرحال من مختلف مناطق القرية الجبلية منها والمنبسطة على حد سواء، فكانت البداية دوما بغداء الرجال ثم النساء وأخيرا الأطفال ليفسح المجال بعد ذلك لأنغام الطبل والمزمار وفقرات الحفل الفنية التي لا نهتم لها عادة فنغادر منزل العرس بمجرد انتهاء توزيع الوليمة.

وفي أحد الأعراس كنت أنتظر دور الأطفال الصغار في الغداء وأنا ألوذ بفيء شجرة عجوز في ساحة المنزل، لكن شد انتباهي شيء عجيب يتم توزيعه على الرجال بعد الانتهاء من الأكل وهو مشروب ذهبي اللون في قارورة زجاجية صغيرة يشي حرص الموزعين على جمعها وترصيفها في صناديق مخصصة لهذا الغرض على أهميتها وندرتها وربما غلاء ثمنها.

اقتربت بحذر من حلقة أكل الرجال لأشاهد عن كثب هذا الشيء الغريب ونظرت متلصصا مخافة أن ينهرني أحد منظمي العرس ويطردني بفجاجة من المكان، فزحفت وراء حائط قديم متهالك ونظرت إلى القوارير الصغيرة المرصفة في صناديق بلاستيكية يحتوي كل صندوق على أربعة صفوف يتكون كل صف من سنة قوارير فلاحظت أن بعضها أسود وبعضها الآخر برتقالي اللون وبصراحة لا أدري ما الفرق بينها لكني رأيت الموزع يخير الرجل بين الاثنين بكلمتين غريبتين لم أستطع حفظهما ثم يناوله قارورة سوداء أو برتقالية حسب الرغبة.

سألت طفلا أكبر مني قليلا عن هذا الشيء العجيب الذي يوزع فأجابني أن اسمه “قازوز”، والسوداء تسمى كوكا والبرتقالية تسمى فانتا عندها استجمعت شجاعتي وسألته وهل سيوزع أيضا على الأطفال؟ فأجابني ببرود لا أدري ثم مضى في حال سبيله وتركني في حيرة من أمري.

وبصراحة كانت معرفتي بالقازوز نظرية فقط فدكاكين القرية الثلاثة لا تبيعه لصعوبة تخزينه بسبب غياب الكهرباء وبالتالي الثلاجات ولارتفاع ثمنه أيضا إذ لا أحد في القرية قادر على شرائه ويبدو أن أهل العرس تزودوا به من المدينة كعلامة على الترف والمكانة الاجتماعية المرموقة للعائلة.

والفكرة الوحيدة التي أملكها عن هذا المشروب السحري بنيتها انطلاقا مما رواه لي أخي الكبير الذي سبق له وأن تذوق هذا المشروب ولا أدري أين تذوقه بالضيط ربما في عرس أو مقهى في المدينة وكل ما أعرفه والعهدة على أخي أن المشروب يسبب حرقة خفيفة في الحنجرة عن شربه لكنه لذيذ جدا لدرجة تجعلك لا تتوقف عن الشرب رغم إحساسك بالحرق.

بقيت أتقلى على جمر اللظى أمني النفس بتجربة هذا المشروب الحارق اللذيذ وأدعو الله أن يكون هناك من القوارير ما يكفي للأطفال أيضا ويرعبني شبح انتهاء المخزون مع إطعام آخر حلقة من حلقات النساء، وفي الانتظار جلست أرمق الرجال وهم يشربون قواريرهم ببطء وتلذذ فأتخيل اللسعة التي تحدث عنها أخي وهي تصيب حناجرهم حتى كدت أن أشعر بها أو ربما شعرت بها فعلا.

وبعد لأي طلب منا التحلق في مجموعات من سبعة أطفال ثم جاءت قصاع الكسكسي وبعدها جاء موزع اللحم ليعطي كل طفل حصته لكني لم أبال كثيرا بالأكل وكنت أنظر بقلق بين الفينة والأخرى إلى زاوية البيت منتظرا أن يهل ركب القادم العزيز وقواريره السوداء والبرتقالية تتأرجح وتصدر صوتا لذيذا تم تعديله على وقع خطوات حامل الصندوق.

لكن انتهى الأكل دون أن يحدث ما يشي بأن هناك نية لدى أهل العرس بتوزيع القازوز على الأطفال، ورغم تأكد الكارثة بقينا جالسين في أماكننا متمسكين بأمل كالسراب في حلول القوارير الثمينة فجأة، ثم تجرأ أحدنا وسأل أحد الموزعين هل ستعطوننا القازوز؟ لكن الرجل رد عليه بسخرية قائلا “وهل تعتقد ان شفتيك خلقتا لشرب القازوز”؟ ضحك باقي الصبيان لكني أحسست بالمرارة وتبخر حلم تجربة المشروب السحري بعد ان كان قاب قوسين أو أدنى.

وكأخر حل حدثتني نفسي بأن أبحث عن القوارير الفارغة لعل الشاربين المحظوظين تركوا فيها بعض القطرات لكنها كانت تحت حراسة شديدة ولا أمل لي حتى في الاقتراب من القوارير الفارغة، عندها عدت إلى البيت أجر أذيال الخيبة وقد اكتفيت من لذة شرب القازوز بلسعة افتراضية راودني طيفها وأنا أراقب الرجال يعبونه عبا في ذلك اليوم القائظ.

شاهد أيضاً

ولد الحرس

حسن الصغير  لم أنم تلك الليلة وبت أكابد السهاد حتى ساعات الفجر الأولى خوفا مما …

اترك رد