fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

في خمسينيّة تجربة التعاضد

الصادق الصغيري

ككل صباحات يوم سبت، كان الموعد مع مؤسسة الأستاذ عبد الجليل التميمي وشهاداتها، شهادات هذا الاسبوع قدمها ثلّة ممن عايشوا تجربة التعاضد. المتحدث الأول كان الوالي ورئيس لجنة التنسيق السابق لولاية الكاف ثم القصرين عبد السلام قلال، الذي اكد ان اهمّ عامل أجهض التعاضد هو قرار تعميمها وإدخال أراضي كبار الملاّك، دون دراسة ولا توفير أسباب النجاح لهذه الخطوة، وانّه قابل بورقيبة وحاول إثناءه عن قرار التعميم، واقترح بديلا عنه إخضاع عمل المزارعين الكبار إلى كراس شروط، ويرى في قرار التعميم خيارا متعمدا للاطاحة بالوزير احمد بن صالح، وهو ما وقع بالفعل مع “وقفة التأمل” في التجربة في سبتمبر 1969، ثم التراجع الكلّي عن التجربة برمتها، ثم انتهت بمحاكمات الخيانة العظمى لأحمد بن صالح وشخصيات أخرى قدمت أكباش فداء عن سياسة اختارتها الدولة ونفذها جهات رسمية برعاية شاملة من لدن بورقيبة.

مداخلة الوالي السابق سالم المنصوري كانت مهمة في تفاصيلها حول تنامي الصراع على خلافة بورقيبة وعلى ضرورة تنقيح الدستور ليتولّى الخلافة مباشرة -في حالة الشغور- الوزير الأول وذلك على اثر المرض الذي اصبح يعاود الرئيس من حين إلى آخر، ويرى أن إسقاط تجربة التعاضد تدخل ضمن صراعات الاجنحة على السلطة، وقد تم بالفعل تحوير الدستور 1969 واستبعاد بن صالح بداية من الانتخابات التشريعية على القائمة الواحدة ورغم أنه كان على رأس دائرة سوسة 2، فإنه تم وضعه في مؤخرة الترتيب عند إعلان النتائج، تحصّل على حوالي 8 آلاف صوت في حين منح للبقية من 40 الف صوت فما فوق، ثم أعلن رفته من الحزب حتى لا يدخل البرلمان، بل انه لم يتم استدعاءه لحضور تنصيب بورقيبة الذي فاز (بنسبة 100 بالمائة)، ولكنه حضر مع ذلك “وما إن شاهده النواب يدخل من باب القصر حتى فروا جميعا كي لا يتورطوا في السلام عليه، وبلغ أمر حضوره الى الرئيس فاستقبله بمكتبه، ولدى خروجه بمعيّته جرى نحوه كل النواب للتسليم عليه ظنا منهم أن الرئيس بورقيبة قد صالحه، ولم تغفل شهادة المنصوري تدخل السفير الفرنسي وغضبه من تراجع نسب الواردات التونسية لصالح دول أخرى.
مع احتدام الأزمة اختار بورقيبة السفر الى فرنسا وطلب من الباهي الأدغم تنقية الأجواء ولا يريد أن يرى شيئا منها عند عودته، طال بقاؤه بالعاصمة الفرنسية من نوفمبر 1969 الى مطلع شهر جوان 1970 وهي أطول فترة تغيب فيها الرئيس عن إدارة البلاد مباشرة.

عندما أحيلت الكلمة الى الحضور تدخلت فاشرت الى ان التعاضد كان قهريا ويكفي حضور “سيارة الحرس” للاشراف على عمليات افتكاك رؤوس الأغنام والأبقار، وقد أضاعت به الدولة مهمة مركزي، كان أولى بدولة الاستقلال الانكباب عليها، الا وهي إدارة الضيعات الفلاحية وأراضي الدولة التي تم استردادها من المستعمر الفرنسي وهي تمسح مئات الآلاف من الهكتارات والتي سرعان ما انخفضت انتاجياتها وتراجع مردودها الى نسب مفزعة، كما انها خطوة قسرية وعنيفة تجاه صغار المزارعين وعلاقتهم الحميمية بمواشيهم واراضيهم وجهد اعمار كاملة من النساء والرجال. ردة الفعل على التعاضد ذهبت بعيدا في الاتجاه المعاكس من تفريط في الملك العمومي والاعتداء عليه والمغالاة في ثقافة الفردانية في شتى المجالات، نتج عنها اليوم ضعف النسيج التعاوني بالبلاد في كل القطاعات ناهيك أن ترتيب بلادنا هو، الاخيرة افريقيا على مستوى التعاونيات الفلاحية والتشبيك بين المزارعين، بالاضافة الى تفكك المجتمع وضعف نسيجه وروابطه الاجتماعيّة وارتهاننا كليا للخارج. كما أن التفريط في القطيع الحيواني يومئذ كان بابخس الاثمان واستفاد منه كبار الملاك والتجار وأثرياء “حرب التعاضد”، ليزداد في نهاية التجربة الفقراء فقرا والاثرياء ثراء.

تركت التجربة بصمتها على شخصيتي لما شاهدته من هلع في أعين كبار العائلة إزاء مشهد نزع ما بقي من قطيع الاغنام الصغير من بين أيديهم تحت أنظار سيارة الحرس، أقول ما بقي لان العائلة قد عمدت الى ذبح الكثير منه وتقديده. كما تركت التجربة جرحا غائرا في ذاكرتي لأنها كانت دافعا الى هجرة والدي الى فرنسا في الثالث من شهر جويلية سنة 1969 بحثا عن الرزق وعن كرامة انتهكتها تجربة خرقاء مرتجلة، وليستمر عاملا بها الى سنة 1995 لتنعم الدولة وغير الدولة بما يجلب معه من عملة صعبة يحرص أن يستبدلها رسميا بالبنك ولا ينعم والدي بنا ولا ننعم به إلا شهرا في السنة.

شاهد أيضاً

الذكرى الثلاثون لمنع جريدة الفجر من الصدور

الصادق الصغيري  تمرّ اليوم الذكرى الثلاثون لمنع جريدة الفجر من الصدور (ديسمبر 1990-ديسمبر 2020) وتشميع …

الصباح المبروك

الصادق الصغيري  ليس امامه الاّ الوصول باكرا الى المستشفى، فأصحاب المواعيد من أمثاله يحضرون الى …

اترك رد