fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

سوق يوم الجمعة

محمد المولدي الداودي

كان اليوم جمعة.. والجمعة في قريتي يوم ولا يوم.. فيه يستبق النّاس صياح الديكة وتعجّ القرية بالحياة فجرا ويستيقظ الصغار من نومهم ينتظرون.. تسرع النسوة في إعداد فطور الصّباح وبعض من زاد لرحلة قصيرة ثمّ يشرعن في إعداد الرّاحلة.. والرّاحلة في قريتي في تلك الأيّام حمير وبغال.. ثمّ يسترقن قليلا من خلوة وتهمس النسّاء في سمع الرّجال بعيدا عن رغبة الصبية في استراق القول وأحيانا تعلو ضحكة لصبيّ أدرك وصيّة الأمّ في غفلة منها..

في صباح الجمعة يتنادى رجال القريّة ثمّ تبدأ القافلة والرحلة..
حين يغيب الرّجال عن الأنظار يسأل الصبية الأمّهات عن الوجهة.. ثمّ تتّبع عيونهم الشّاردة في الآفاق أصابع الأمّهات تنطلق من بين أيديهنّ بعيدا ثمّ تشير إلى مكان بعيد في سفح الجبل هناك.. قليل من بياض لأبنية متقاربة ذلك ما يقصدون.. ثمّ يهمس الإبن الأكبر “كلّ الرجال ذاهبون إلى السوق..” وحين تنطلق هذه الكلمة في أفواه الصبية يردّدونها في القرية ترتسم عوالم من السحر وشهوة الانتظار..

كانت كلّ عوالمنا هي امتداد الجبال وما بينها من سهول ولا شيء خلفها غير الفراغ.. وكنّا نظنّ أنّ الشمس تغيب مساء حين يبتلعها الجبل وهنالك تنتهي الأرض.. كانت القرية كلّ رؤانا وأمّا ما دونها فعالم من الأسرار والسحر.

في يوم الجمعة ميقات غير الميقات.. وتزداد ساعة الانتظار طولا ويرفّ القلب في الصدر ترقّبا للعودة.. وتتهيّأ النسوة في القرية على غير العادة.. ثمّ تحين ساعة الاستطلاع.. مع السّاعة الواحدة كنّا نرتقي مكانا عليّا من الأرض يطلّ على مسارب القرية ونحدّ الأبصار حتى يلوح الرّكب من بعيد فنسرع سباقا نبشّر الأمّهات بعودة الرّجال.. في تلك اللحظة تعيد النسوة كنس البيوت البسيطة وتهيئة ما في البيت من أثات ثمّ ينتظرن..

يحلّ الركب بالقرية وينطلق كلّ إلى بيته وأهله ويتعالى قبل الوصول صوت الرجل ينادي الزوجة وتهلّ من البيت كأنّها تعلم قدومه ثمّ تشرع في إدخال “المسواقة” وتتثبّت مليّا في وصاياها صباحا هل أوفي الرّجل بالوعد؟ وكنّا صغارا ندفع بأيدينا إلى “الخرج” ننزع منه قليلا من حلوى أو تمر..

في يوم الجمعة تحملنا رغبة الاكتشاف إلى قطع غواية اللعب والعودة إلى البيت مع قدوم الرّجال وكنّا ننتظر ونحن على أعتاب البيوت البسيطة سماع صوت الدّجاج.. الدّجاج في يوم الجمعة هو علامة فخر الرّجال بما حملوا من متاع وهو كلّ انتظار الصّغار… ينادي الرّجل الزوجة مشيرا إلى مكان ما في “الخرج” ثمّ تسرع الزوجة في تهيئة الدّجاجة فمنها عشاء الجمعة..
عشاء الجمعة لا يشبهه عشاء.. تجتمع كلّ العائلة في فرح غامر ويعود الأطفال من اللعب سريعا ثمّ ينتظرون العشاء..

في تلك الجمعة لم تدفعه ضوضاء الرّجال في القرية إلى النهوض ولم تتجرّأ والدتي على فعل ذلك.. ودفعتنا العادة إلى الاستيقاظ تكرارا لما ألفناه ولكنّنا أدركنا ونحن بين نوم ويقظة أنّ أمرا سيمنع والدي من السوق..

صباحا كانت القرية خالية من رجالها عدا والدي الذي سارع في فتح “مراح” تسكنه قليل من شياه أوهنتها سنين الجدب والقحط ثمّ غاب عن الأنظار بعيدا في هضاب القرية ووديانها..
لم ننتظر عودته كما فعل الصبية الصّغار في ذلك اليوم ولم نسأل عن والدي الذي أمضى اليوم كاملا في التلال البعيدة وفي المساء دفعتني رغبة اللعب إلى مناداة الصبية في بيت الجيران.. وقلّ منهم الصوت فاقتربت من البيت أعلمهم بحاجتي إلى اللعب معهم وكانوا حينها في موكب العشاء.. ورأيت منهم خجلا كبيرا وهمّت والدته بمناداتي حتّى علا من خلفي صوت كأنّه الرّعد أفزعني والتفت أريد أن أرى وما رأيت…
هزّتني صفعة قاسية غاضبة ثمّ رفعتني من على الأرض قبضة مرتعشة.. وشعرت بهزّة في الصدر تكاد تنطق وكنت أتبيّن من بين دمعي ملامح والدي.. وكنت أراه كأنّه يبكي..
شيء ما يدفعني إليه كأنّها يديه تضمّني بقوّة وكنت أسمع وجيف قلبه ولا ينطق لسانه.. ثمّ دفعني إلى أمّي في حنوّ.. وما رأيته في تلك الليلة إلاّ صباحا..

في ذلك اليوم لم يكن ذهابي إلى بيت الجيران رغبة في طعام يوم الجمعة أو شهوة في تذوّق بعضا من دجاج يوم الجمعة.. شقاء الطفولة دفعني إلى طلب اللعب في يوم يصوم فيه الصبية عن اللعب.. ولكنّ ذلك اليوم رسم حدود إدراكي وعلاقتي بالنّاس.. وكلمّا اقتربت من متاع النّاس أو ما يملكون عاودتني مشاعر تلك الصفعة الغاضبة.. فاستكين…

أعود إلى قريتي وأقف على بعض شواهد الطفولة مكانا وإنسانا وقد أتوقف عند بعض البيوت المبنيّة من الطين والحجارة والمسقوفة من أخشاب الصنوبر والعرعر.. وأتأمّل من تبقّى في القرية من أقراني وأتّبع خطو الصبى في الهضاب كأنّي أعيد سيرتي الأولى…
كثير تغيّر.. وكثير ظلّ يسكن الذّاكرة..

شاهد أيضاً

في العمق: الجنوب روح الدولة وروح الثورة

محمد المولدي الداودي  دولة الاستقلال عاقبت الجنوب لأنه كان تونسيا أصيلا وطنيا كاملا بلا مناصفة …

حول تعديل المرسوم 116 وما بعده: أتركوا “الكومند” يحكم بيننا

محمد المولدي الداودي  السلوك السياسي في تونس سلوك غريزي لا عقل فيه. تحكمه اتجاهات الخصوم …

اترك رد