fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

صقر جارح وطاووس مغرور

خبيب بنعيسى

#ستعجبكم
#الذاكرة_النضالية
هل الورق الذي أمامي ميّت أم حيّ، و هل هناك سكرات موت تصاحب موت هذا الورق؟!
إنّ الورق الذي أمامي ميّت، دون سكرات موت تصاحبه عند موته، بل هناك سكرات حياة تصاحبه بمجرد أن أخط عليه أولى عباراتي، عبارة تعلن انبعاث الحياة في هذا المولود الورقي، وتعلن ميلاد نص جديد.

ميلاد الأوراق وموت أقلام الرصاص، فمع كل حرف وكلمة وجملة أكتبها تكبر الأوراق وتنضج، وتصغر الأقلام وتنصرم حتى تموت! تموت لتحيى الأوراق وكاتبها، ومادامت الأوراق حية فأنا حيّ.
أوراقي التي تسعى لقتل أقلامي تحتاج إلى الأفكار و الذكريات، حتى تنطلق اليد بكتابة الكلمات بعد أن يعصف بها الفكر، وعندها يدرك قلم الرصاص أن موته قد حان، وأنه دخل في دوامة سكرات الموت الثلاثية “قبل وعند وبعد”.
إن بداية الحياة والممات لهذه الأوراق وتلك الأقلام، مرتبطة بشكل مباشر بالعصف الفكري الذي يدور داخل عقلي، ففي عقلي شخصيات وأفكار وذكريات، يجب أن أوقضها حتى تبدأ العمل بجد وبسرعة، قبل أن تدركني تلك السكرات كما تفعل الآن بالأقلام.

إستيقض أيها الطاووس…!!
أنتَ وأنتِ، بل أنتم جميعا استيقضوا لنبدأ معا عصفنا الفكري، لعلنا نقتل الأقلام ونحيي الأوراق لتحيى الضمائر الميتة والحية!
إستيقظ أيها الطووس، إستيقظ يا رمز الغرور والأنا الغبية الدنيئة، إستيقظ أيها المغرور المتباهي وأفرد ريشك الملون الزاهي، هيا قم من نومك قبل أن أقيم قيامتك، وأشيع جنازتك.
قم يا من لا أسف على موته، ولا حزن على فراقه، قم أيها المغرور المتباهي، قم أيها الطاووس البليد.
حاولت وحاولت أن أوقظ طاووس الغرور البليد الساكن داخل جسدي، إلا أنه رفض الإستيقاظ، وضرب بكل محاولاتي عرض الحائط، ورغم ذلك لم أيئس ولم أتوقف عن المحاولة رغم طول الأمد.
لقد كبدني هذا الطاووس البليد المغرور ألم جسد، ما كنت بحاجة إليه مع كل إيقاف وأثناء كل تحقيق.
هنالك داخل مركز الإيقاف، إستيقظ طاووس الغرور معلنا أنه لم يعد من فئة الدجاج صاحب الريش الجميل
إنما هو صقر جارح من أصحاب المخالب والمناقير الجارحة القوية، حاولت إسكاته، لكنه كان أشد منّي عنادا،.. صاح… وصاح في وجه المحقق قائلا له بصوت لم أعهده عليه من قبل:
إسمع أيها المحقق الجبان، إذا ما أردت أن تكسر العظام فكسّر، وإذا ما أردت أن تمزق من جلد هذا الجسد فمزق، إلا أنك لن تنال من كرامة صاحب هذا الجسد، فصاحب هذا الجسد هو سيد المكان والزمان.
عندها أحضر المحقق المزيد من المحققين والجلادين، وبدؤوا في جولة جديدة، من جولات التحقيق المصحوب بالتعذيب الإجرامي فمزّقوا الجلد، وكسّروا العظم، ورغم ذلك واصل الطاووس البليد “الصقر الجارح” تبجّحه متجاهلا شدّة الألم وقسوة الجراح في جسدي الهزيل المسكين.
وكيف لطاووس الغرور البليد أن يأبه لآلام الجسد النازف، فهو من ساكني جوف النفس، وهذه النفس لا تتألّلم إلا إذا انجرح كبرياؤها، أو بخدش كرامتها.
كم هو غبي ذلك الطاووس المغرور! وكم هو جبان.

فلو كان من الشجعان لأستيقظ الآن… الآن.
الآن.. وهنا… حتى أمسك به وأنتف ريشه، بل حتى أحاكمه وأعدمه، على ما سببه لجسدي من الآلام الموجعة القاتلة لسنين طوال.
ذلك الطاووس الغبي المغرور، عندما كان يتحدى المحققين والجلادين، كان يتحداهم وكأن جسدي لا يمتّ له بصلة، وذلك يعود لأن طاووس الغرور يسكن داخل جوف النفس…
إذا فلتستيقظ يا جوف النفس… لتيقظ طاووس الغرور..
وماهي إلا ثوانٍ معدودة حتى إستيقظ جوف النفس وأيقظ الطاووس الذي يغطّ بالنوم العميق، نوم أشبه ما يكون بالنوم الصامت.
إستيقظ الطاووس نافشًا ريشه ونظر إلى عيني وقال: ماذا تريد مني يا من أسميت نفسك بالمناضل.
رددت على الطاووس وقلت: أريد أن أصفعك، وأن أحاكمك وأجلدك، ثمّ أقوم بإعدامك بعد نتف ريشك..
إزداد الطاووس إنتفاخا ونفشا لريشه وحدق في عيني بشكل مستفزّ، ثم قال: إفعل ما تشاء، فأنت الآمر الناهي الأوحد!.
ألا تخاف مني أيها الطاووس المغرور؟
كيف أخاف منك وأنا منك وإليك!؟ ألستُ من ساكني جوف نفسك! ونفسك منك وإليك؟!
إذا أنا الآخر منك وإليك.
أيها الطاووس المغرور، معاذ الله أن تكوني مني أو أكون منك، فأنا منك براء، وأدعو الله لغرورك الفناء.
في هذه اللحظة تحول الطاووس لصقر له هيبة ووقار، وتكلم فقال: إسمع يا من تتهمني بالتكبر والغرور، إسمع أيها المسكين الساذج الذي لم يدرك أنني إبن الفكر الذي يؤمن أن النضال عقيدة إستعلاء، وأنه من أخص خصائص تلك العقيدة الإستعلائية، أنها تبعث في روح المناضل إحساسًا بالعزة في غير كبر، وروح الثقة في غير إغترار، وشعور بالإطمئنان في غير تواكل، وأنها تشعر المناضلين من أجل الحرية والكرامة بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة لهذه القطعان الضالة، وهدايتها إلى القيم والطريق السويّ، وإخراجهم من ظلمات القمع إلى نور الحرية، فأنا لست متكبرا أو مغرورا، بل عزيزا حرّ.
ألم تكن تلك إجابتك التي تؤمن بها وتعمل؟! إذا لما أنت غاضب عليّ أيها المعتوه؟!
نعم أنت معتوه… يبدوا أن فقدك لسياط جلاديك ونعيمك بالحرية قد أصاب عقلك بالعته… يا معتوه!
أنت غاضب مني!، أنا من يحق لي الغضب لا أنت، كيف لك أن تصفني بالطاووس المغرور!
فأنا نفسك الساكنة جوفك، فأنت كالقط بسبعة أرواح، كل واحدة تسكن جوف الأخرى.
لست طاووسا بليدا مغرورا، فأنا الصقر الجارح… الصقر الذي تربّى على عقيدة الإستعلاء النضالية، فإياك ثمّ إياك أن تنسى ذلك.

ما أن رمشت جفن عيني، حتى كان الصقر الجارح قد اختفى من أمامي معلنا إنتصاره عليّ.. بكل.. بساطة، وأنا من ظننت نفسي القاضي والجلاد، فإذا به هو القاضي وصاحب الحجة والإنتصار، أولم ينتصر على المحققين والجلادين، بالرغم من ألم جسدي؟!
ألم يتحداهم ويسخر من ضعفهم أمام إرادته القوية الصلبة التي لم تهن أو تضعف.
نعم لقد إنتصر الصقر الجارح في معركة التحقيق والسحل والتعذيب، دون مبالاة بالعظام المكسورة والجلد الممزّق النازف.
إنتصر وأنا الذي كنت أظنه طاووسا مغرورا، فإذا به صقر جارح..
ف…عذرا أيها الصقر العنيد
#لمتنتهيالحكايةغداتطير_العصافير

شاهد أيضاً

أحزاب الزعامات

خبيب بنعيسى  يجب أن لا يأخذنا القول بضرورة مراعات الديمقراطية لثوابتنا العربية والإسلامية، إلى أن …

الكورونا إدارة الأزمات العالم الجديد أين نحن ؟!

خبيب بنعيسى 1. تاريخنا كبشر مرتبط بالأوبئة ارتباطًا وثيقًا. فهي محرك أساسيًا من محركات التاريخ …

اترك رد