الأربعاء , 12 أغسطس 2020

وزارة التربية ووزيرُها…

نور الدين الغيلوفي

المشكلة ليست في اسم محمّد الحامدي ولا في رسمه.. للرجل أن يكون من شاء كما شاء وله أن يتّخذ من الأفكار والمواقف ما شاء وأن يعبّر عنها كما يريد.. هو مواطن تونسيّ ترقّى في السُّلَّم السياسيّ حتّى صار وزيرا.. وهذا من حقّه.. وليس ناجي جلّول، وهو من هو في السوء، بأحقّ منه ولا أجدر.. وليس لمن رضي بناجي جلّول وزيرا للتربية وعمل معه وآمن بـ”تربيته” أن يعترض على محمّد الحامدي وزيرا للتربية من بعده.. ودعك من البحوث العلميّة والدراسات الميدانيّة.. إذ لا يُشترَط في الوزير أن يكون مفكّرا…

المشكلة تكمن، في نظري، في هذه المحاصصة الحزبية التي تجعل لكلّ حزب من الأحزاب المتوافقة على الحكم معًا حصّةً من الحكومة بقطع النظر عن أهليّة موارده البشرية لها.. كأنّ الحكومة رزق عثرت عليه الأحزاب وتوافقت على اقتسامه بينها.. وليست محنةً تعاهدوا على حملها معًا.. قلت محنة ولم أقل أمانة لأنّ الأمانة منزلة لا نزال ننشدها ولا نراها… يصوّت الحزب على الحكومة بشرط أن ينال ما يرضيه منها وأن يكون له بينها وزراء يمثّلونه…

المشكلة في أنّ وزارة التربية ظلّت “متروكة”.. نعم متروكة لجملة من الاعتبارات، منها:

1. أنّها باتت بؤرة لمشاكل كبرى مستعصية على الحلّ.. وفي كلّ مرّة يُنتَدَب على رأسها وزير لا ينجز شيئا.. ويمضي ويتركها في حركة سقوطها.. تلاحقه اللعنات.. يمضي الوزير وتبقى النقابات تدبّر شؤون المرفق في انتظار وزير جديد تنصب له فخاخا تمنع حركته لتنتهيَ إلى عزله مثل سابقه.. اعطوني وزيرا واحدا بعد الثورة رضيت عنه النقابات.. حتّى سالم لبيض أصابته لعناتهم وأبدلوا بياضه بزرقة لازمته حتّى ترك الوزارة.. لهم…

2. أنّها باتت وكرا لمسامير قديمة صدئة تحسب أنّ الوزارة حكرا عليها وميراثها من “والديها”.. هذه المسامير الصدئة لها وجهان متحالفان على اختطاف المرفق التربويّ:
• وجه تمثّله بقايا المنظومة التجمعيّة القديمة التي تمترست بالإدارة لا تتركها،
• ووجه تمثّله النقابات المتسلّلة إلى الوزارة تحت لافتة الدفاع عن منظوريها…

وقد تحالفت الجهتان على الفساد والإفساد.. وإنّك لتسمع من سلوك النقابيين وترى من أدائهم ما لم يكن يجرؤ عليه عتاة التجمعيّين.. كيف لا وغير قليل من هؤلاء التجمعيّين قفزوا من سفينة الوشاية التجمعية ليعتلوا ظهر سفينة الوشاية النقابية؟ تراهم في أروقة إدارات التربية يخطرون مثل الطواويس المعجَبة بألوانها لا ترى في المجال سواها.. وإذا سوّلت لك نفسك الاعتراض على سلوك أحد من هؤلاء فأنت ضدّ العمل النقابيّ كاره للنقابة عدوّ للنقابيّين عامّة.. وربّما تُسلبُ وطنيَّتَك مرّة واحدة…

النقابيون في وزارة التربية، إلّا قليلا، يتجاوزون حدودهم ويتحكّمون في كلّ شاردة وواردة.. يدافعون عن الرداءة بانتهاك القوانين المرعيّة ويقبضون الثمن.. نعم يقبضون الثمن.. وقد صاروا، في نظري، عقبة في طريق كلّ إصلاح للشأن التربويّ.. ولن يصلح الأمر إلّا متى لزم النقابيّون ثكناتهم يكتفون بمهمّاتهم لا يتجاوزنها.. نحن نحتاج عملا نقابيا عاقلا تحكمه قوانين البلاد.. ولا نحتاج إلى نقابات قويّة لأنّ القوّة متى تجاوزت حدّها أدّت إلى اختلال الميزان.. ومن الحماقة المستحكمة أن يُرفَع شعار “عاش عاش الاتّحاد أكبر قوّة في البلاد”.. لأنّ القوّة ما لم تكن عاقلة يحكمها القانون كانت كارثة ولم يأت منها نفع…

ولعلّ من مصلحة المرفق التربويّ، في مثل لحظتنا هذه، ألّا يشرف عليه وزير له خلفية نقابيّة ما دامت النقابات طرفا في الصراع وجزءا من المشاكل التي تعاني منها البلاد… وهذا أمر يقوله الناس في سرّهم وفي علنهم.. ولكنّنا نصرّ على التعامي عن أصل الداء وندّعي الانشغال بالدواء…

لقد كنّا قابلين بتأجيل “شانطي” الإصلاح التربويّ إلى حين تمام الإصلاح السياسيّ الذي لا نزال نؤمن بأنّه هو القاطرة التي تسحب كلّ العربات خلفها على سكّة وطن سليمة أرضها صلبة.. وبذلك نقطع مع التردّد والفوضى والرعونة ونبني تربية ديمقراطية تقوم على العلم وتستهدف بناء الإنسان السليم الذي يتكوّن منه المجتمع القويم في سبيل نهضة ظلّ سؤالها معلَّقا منذ زمن بعيد.. تربية تبني مدرسة تكون ورشة لغراسة قيم تجلّ الإنسان قوامها العقل والخير والجمال.. غير أنّ الإصلاح السياسيّ الذي حملته النصوص رفضت حملَه العقول والنفوس فبات مجرّد طلاء خارجيّ يرى منه الأجانب بريقا ولسنا نجد منه غير الرغام.. إنّه مشهد سياسيّ ثقيل أطبق على البلاد والعباد.. وشيئا فشيئا ينقطع “الأوكسيجان” ويعمّ الفساد وتستفحل الرداءة ويستبدّ اليأس بالنفوس… وفي ظلّ هذا المناخ لا مطمع في إصلاح تأتي به جهة سياسيّة بعينها.. التربية مرفق عمومي يعني عامّة الشعب بمختلف أطيافه الفكريّة وألوانه السياسيّة ولا يجوز أن يُعالَج معالجة رهائن في أيادي خاطفين…

وزير التربية عليه أن يأتيَ بتصوّر واضح وببرنامج ممكن وبأهداف لا يخطئها الإنجاز وبعقل راجح لا يفسده هوى تحكمه استعارة “الخشية من انتصار اليمن على أمريكا”.. وأولى مفردات التصوّر فهم أسباب الأزمة في وزارة التربية ووضع الحلول لها…

فهل يملك حزب التيّار الديمقراطيّ تصوّرا واضحا لإدارة المرفق التربويّ؟ هل يمكن لمحمّد الحامدي أن يخرج بين عشيّة وضحاها من جبّة المناكفة والهذيان الذي لا يجدي ليجعل نفسه وزيرا لجميع التونسيين يعيش همومهم بإنكار هواه الحزبيّ الذي أوصله ليكون مسؤولا عن أهمّ وزارة من وزارات الدولة؟

لن نصادر حقّ الرجل في أن يكون وزيرا.. ولكنّنا ننتظر منه أن يبدأ “شانطي” الإصلاح التربويّ بعقل راجح وحذر كبير.. وزارة التربية حقل ألغام فهل يملك الوزير أن يزيل الألغام قبل إقامة البنيان؟ هل يدرك السيّد الوزير القادم أنّ الوزارة باتت وكرا للمتمعّشين الذين يرون في خططهم “خبزة صغارهم” يدافعون عنها بسمل كلّ عين تقترب منها؟

ملاحظة: مقارنة الرجل بمحمود المسعدي بها كثير من الظلم.. قد يستطيع الحامدي ما لم يستطعه المسعدي لو أنّه عرف تطهير الوزارة من الجراثيم العالقة بجدرانها ووضع خطّة للإصلاح بعيدا عن ضباع لا تعنيها سوى بطونها..

لعلّ وعسى…

شاهد أيضاً

اعقلوا جنوحه

نور الدين الغيلوفي  بعض الذين يظنّون أنفسهم أتباع قيّس سعيّد يقولون إنّه جاء لتصحيح المسار… …

الشعب يريد أم الرئيس هو المريد ؟

نور الدين الغيلوفي  يا رئيس الجمهورية… أنت الرئيس… انتخبك الشعب في لحظة تعرفها ونعرفها… وانتخابك …