السبت , 8 أغسطس 2020

فيم أخطأ أبو يعرب المرزوقي ؟

نور الدين الغيلوفي

هل يجرم الفيلسوف حين ينخرط في الشأن العام؟

الرجل مفكّر..
نعم هو مفكِّر..
بل هو مفكّر كبير بلا نظير في بلاد العرب قاطبة.. وهذا حكم قد يحتاج قولا كثيرا للاستدل عليه…
فيلسوف..
نعم هو فيلسوف..
جميع الذين ترونهم من المشتغلين بالفلسفة هم أساتذة فلسفة.. هو وحده الذي تصدق عليه عبارة “فيلسوف”…
غير أنّني لا أراه ينتظر شهادة من أحد ليكون هو…

أن تختلف مع أحد لا يعني أن تتحوّل “فجأة” إلى ديك “يعوعش”.. وأن تكتب في نفي الفلسفة عن أبي يعرب.. فهل قرأت له حرفا أو قرأت عليه قولا؟

دعني أقل لك: إذا ذُكرت الفلسفة حضر أبو يعرب المرزوقي أحدَ أئمّتها الكبار.. وقد لا تجد من ينازعه في الفلسفة والتفكير.. والتأمّل والتنظير.. ولست أتحدّث، هنا، عن أمثال ذاك الذي درس الفلسفة ويدرّسها وهو يرى أنّ المرحوم عصمت سيف الدولة قد دحض أطروحات هيجل.. هؤلاء لست أعنيهم في ما أكتب.. إنّما أعني ذوي حدّ الفهم الأدنى…

الجماعة الذين يستسهلون ثلب الناس ويستهدفون “تطييح قدر” من لا يرضيهم والعبث بمن لا يسير على هواهم أحرى بهم قبل أن يكتبوا حرفا نابيا في أبي يعرب، أن يقرأوا له صفحات ممّا كتب.. وإذا تعذّرت عليهم القراءة واستعصى الحرف فليسألوا “اليوتيوب” سيجدون به محاضرات للرجل في شتّى المجالات.. ليسمعوا له قبل أن يرموه بفراغهم…

للرجل موقف من رئيس الجمهورية؟.. هذا من مطلق حقّه.. يقول فيه كلاما لا يرضيكم؟.. ذلك من جوهر حريته.. لا توافقونه على ما يرى؟ ذلك من حقّكم.. ولكن بعيدا عن البذاءة أرجوكم.. فلقد رأيت من لم يقرأ للرجل حرفا يرجمه..

أليس من الغباء أن تجعل لك عدوّا لا تعرف له عدّة ولم تحص له عتادا؟ هذا، لعمري، هو الغباء عينه والكسل ذاتُه…
طالعوا عناوين ما كتب الرجل فقط.. اكتفوا بالعناوين قبل أن تتهافتوا على حربه…

لقد كتب أبو يعرب في الدكتور منصف المرزوقي، لمّا كان رئيسا، ولم يثرْكم ما كتب لأنّ المرزوقي كان ديمقراطيا يقدّس الحريات العامّة والخاصّة ولا يغضب لشخصه.. فلماذا يثيركم وهو يكتب في قيس سعيد؟ ألأنّكم أدوات للفاشية التي لا ترضى بغير ما ترى وتخشى على صورة الزعيم المفدّى؟
ثمّ إنّ رئيس الجمهورية هو رئيس لجميع التونسيّين حتّى أولئك الذين يرونه غير جدير بالرئاسة وليس هو خاصّا بحاشيته وأوليائه.. ومن حقّ مخالفيه أن يقولوا فيه ما يرون.. ومن طلب أن يكون للتونسيّين حاكما فليرض بأقوال المحكومين فيه…

أبو يعرب المرزوقي رجل استثنائي في بلادنا.. فيلسوف كبير، لا يحتاج إلى شهادتي فيه لأنّه أكبر من الشهادة.. تشهد له مؤلّفاته العميقة الكثيرة.. فهي تكفيه…

قلت له يوما: عيبك الوحيد يا أستاذ أنك متواضع في مجتمع لا يرى الفلسفة إلّا متعالية لا تصافح الخلق ولا تلتفت إليهم.. تمضي دونهم مسرورة بعشا يصيب أبصارهم من مرورها لأنّها تتغذّى من العَشا… فأجابني:

وما الذي يضيفه التعالي إليّ؟ أنا أقرأ العربيّة وأكتب بها وأقرأ الفرنسية وأكتب بها وأترجم منها.. وقرأ اللاتينيّة وأترجم عنها.. وأقرأ الألمانية وأكتب بها وأترجم عنها.. وأقرأ الأنجليزية وأكتب بها وأترجم منها.. وأقرأ اليوانية وأترجم منها.. فهل أحتاج إلى أن أستزيد من التعالي؟

أبو يعرب.. دكتور في الفلسفة.. كتب في دقائقها.. قرأ الرياضيات في كلية العلوم بتونس.. وقرأ الاقتصاد والقانون بفرنسا.. وهو قارئ نهم للأدب شعرا ونثرا.. وله في الأدب قول جليل.. يتصدّى لقراءة النصّ القرآني فيُنطقه بما لم يقل به الأوّلون ولا الآخرون.. يأتيك منه بفتوحات مختلفة.. وله فيه قراءات مُعجِبة تنهل من إعجازه…

كلّ مشكلة الرجل أنّه متواضع بين قوم يرون التواضع مُخِلًّا بالفلسفة والتفكير.. وبالرجال…

#ملاحظة_ختاميّة: إلى الذين ينقمون على أبي يعرب قربه من “الإخوانجيّة”.. الرجل ليس “إخوانجيًّا” بالمرّة.. لعلّه أوسع من الإخوان فهما وأبعد نظرا.. فـ”تهنّوا”.. وأزيدكم: أبو يعرب يؤمن بهيجل كما لا يرى محمّدا النبيّ الأميّ.. فقوّموا رأيكم في الرجل.

شاهد أيضاً

رسالة إلى شباب ائتلاف الكرامة

أبو يعرب المرزوقي  هو تعليق على موقف عبر عنه الأستاذ الأديب عبد اللطيف علوي من …

لا نريد رئيسًا واجهةً

نور الدين الغيلوفي  رئيس الجمهوريّة يستغلّ حالة الانقسام البرلماني ليمرّ إلى العبث بالنظام السياسيّ.. وبدل …