السبت , 8 أغسطس 2020

تونس : بين دولة العقد ودولة العمق

نور الدين الختروشي

علاقة التونسي بالدولة علاقة عميقة وضاربة في القدم فهو ومنذ ما قبل الميلاد لم يعش يوما من دون دولة. تتسع رقعة الدولة وتضيق وتتغير آليات تحكمها وسلطتها من حقبة لأخرى ولكنها موجودة… ودائما موجودة.

يذكر المتابعون للحالة التونسية بعد الثورة أن الخطاب الدعائي لحزب نداء تونس في انتخابات 2014، قد ركز على استعادة الدولة حضورا وهيبة، في حين ركز أنصار المرزوقي على الثورة واستحقاقاتها، وقد انتصر بالنهاية خطاب الانتصار للدولة.
تجددت المنظومة القديمة على خطاب الانحياز للدولة كحاوية للأمن والاستقرار في وضع ما بعد ثوري هائج ومتموج، نصفه حرية ونصفه فوضى، فتسلل القديم بصراط الصندوق إلى موقع قيادة المصير العام. صادمة، ومزعجه، وحائرة كانت عودة القديم من شباك الانتصار للدولة. تلك الدولة المنهكة من تاريخ تماهت فيها مع السلطة والأنظمة الاستبدادية المتتالية والمتناسلة عن بعضها منذ سحيق قدم. حتى بات من الصعب اكتشاف خيط الفصل الرقيق بين السلطة والدولة.

يسجل تاريخ ثورة 14/17 أن الثورة في تونس أسقطت النظام ولم تسقط الدولة. وعند هذه النقطة من سطر الثورة نفهم لماذا لم يفتح مسار إسقاط النظام على مسار تفسيخ الدولة، مثلما كان حال بقية الثورات العربية التي تأثرت بالثورة التونسية، فعادت بسرعة إلى تاريخ ما قبل الدولة، وانخرطت في سديم وظلام حرب الكل ضد الكل.
رهان التونسيين على إسقاط النظام والحفاظ على الدولة كان استثناء في تاريخ الثورات مازال من المبكر الحكم على مشروعيته، ولكن من الممكن القول انه قلص من كلفة الدم، واختصر طريق الثورة نحو الاستقرار في أفق العقل.
لعله من المبكر تفسير حرص التونسيين على الدولة بخوفهم الغريزي من الفتنة، أم بعمق البطانة النفسية والوعي الذاتي بضرورة الدولة.

تونس السياسة عززت القناعة بضرورة الحفاظ على الدولة باجتراحها لآلية التوافق مع القديم كرافعة أساسية لتجذير معاني الثورة، دون الحرص على هاجسها في حسم المعركة مع القديم.
الأغلبية من التونسيين إذا اعتمدنا مؤشر نتائج الأحزاب في الانتخابات كان وعيهم بالحاجة للحرية يعادل ولا يفوق وعيهم بالحاجة للأمن والنظام وهو ما سهل الإقناع بأولوية الحفاظ علي الدولة. فلم تشهد أيام الثورة الأولى تعطلا يذكر للخدمات الأساسية للدولة وواصل المرفق العام القيام بمهامه الحيوية رغم حالة الانفلات الأمني في تلك الليالي العصيبة، والتي تطوعت فيها تونس العميقة لحماية الأفراد والممتلكات ليلا بالتنسيق أو بدونه مع ما تبقى من الدولة. وهو ما أنقذ التجربة من الانحراف إلى أخاديد التحارب والفوضى العامة.

عندما تولت تونس الجديدة الحكم اكتشفت ان الدولة دولتان. دولة السطح التي تبدو منسجمة مع الصورة الدستورية للدولة الحديثة، ودولة خفية مغرقة في التستر والتخفي، وموزعة بقصد موزون، أو بعفوية سائبة في مفاصل صنع القرار الرسمي.
تعاملت الترويكا في العهدة التأسيسية مع لغز الدولة الصلبة بعنوان الإصلاح الإداري، فخصصت له وزارة سرعان ما استقال وزيرها الثوري بمبرر عدم وجود ارادة للإصلاح، وكان الأنسب أن يقول إن التحدي أكبر منه ومن الحكومة فليس أشرس وأعمق من معارك الدولة ضد نفسها.
تعددت وتوسعت مساحات الوعي بوجود جماعة ضغط نافذة ومتحكمة بأذرعتها المالية والسياسية والإعلامية والجمعوية والجهوية في مفاصل الإدارة وأجهزة الدولة، واستنجد قاموس التداول السياسي بمقولة الدولة العميقة للتعبير عن الظاهرة.
مفهوم الدولة العميقة مازال سائلا وغير محدد بصرامة المعيارية العلمية مما سهل تسلله إلى قاموس التداول العام ليعكس في تقديري كسلا ذهنيا في تدقيق المفهوم وحصره في منطقة تعقل تحيل على معانيه.

الدولة العميقة في تقديري هي جهاز خفي، بيد عصبة منسجمة الرؤية والمصالح، تتحكم في مجتمع الحكم وتحدد نمطه، بما يحافظ على مواقعها ومصالحها. ومثالها التاريخي المشهود والبارز في المنطقة العربية تعبر عنه الحالة المصرية والجزائرية ففي البلدين شهدنا وشهد العالم كيف تتحكم الدولة العميقة في العملية السياسية، وقدرتها المفزعة على حسم الصراع حول السلطة لصالحها دون تردد، ومهما كانت الكلفة.
فمن يحكم في حالة الدولة العميقة لا يملك السلطة، بل هو مجرد واجهة لها تغيرها متى استنفذت وظيفتها في حفظ مواقع ومصالح بارونات السلطة الحقيقيين.
ما أثبتته سنوات ما بعد الثورة في تونس هو أساسا وتحديدا غياب وعدم وجود الدولة العميقة. فدولة ما بعد الاستقلال لم تسطر مسافة الفصل بين من يحكم ومن بيده السلطة. فبورقيبة كان يحكم، وَيمسك بمفاصل الدولة، ولم يكن حاكما بالنيابة، وكذلك الأمر في العهد النوفمبري، بل ويدعي كاتب السطور أن بن علي سقط لأن نظامه شهد ولادة الدولة الصلبة من دون أن تتطور لتتحول الى دولة عميقة.

نعرف الدولة الصلبة على أنها مجموعات ضغط متناثرة على جزر الدولة كجيوب وأذرعة تقوى أحيانا وتبرز، وتضعف في أخرى وتتوارى، وغايتها دائما التأثير في القرار الرسمي على عكس الدولة العميقة التي تصنع القرار الرسمي. وما يميز الدولة الصلبة عن الدولة العميقة هي قدرتها على التعايش مع نماذج الأنظمة السياسية المختلفة فمثلما تعشش في أنصبة الاستبداد تخترق بنعومة الأنظمة الديمقراطيات في شكل لوبيات صنع قرار.
مشكلة الدولة الصلبة مع الديمقراطية في عنوان الشفافية هذا في حين أن عقدة الدولة العميقة في مبدأ التداول على السلطة عبر صندوق الانتخاب، فمشكلتها ليست مع مبدأ من مبادئ الديمقراطية، بل مع وجودها من حيث المبدأ.
المسار السياسي المتعثر منذ العهدة التأسيسية كشف بقسوة مدى نفوذ جيوب الدولة الصلبة، وقدرتها الفائقة على مسايرة الموجود السياسي ثم اختراقه وتجديد حاجتها للانحراف به نحو نظام أقل شفافية من مطلوب الديمقراطية.

الرأي العام

شاهد أيضاً

من سيختار الرئيس ؟

نور الدين الختروشي  السؤال الصداع في هذه الساعات والايام المقبلة من سيخلف الفخفاخ ؟ المبادرة …

قرار شورى النهضة وردة فعل الرئيس

نور الدين الختروشي  النهضة في دورة الشورى الأحد الماضي ثبتت موقف دورتها السابقة الذي لا …