fbpx
الأحد , 17 يناير 2021

المقبرة الافتراضيّة

الصادق الصغيري

كنت أحيل إلى ملف خاص بالحاسوب رقم الهاتف وروابط الفايس بوك والعنوان البريدي وكل الاغراض الافتراضية للقريب أو الصديق الذي يتوفاه الموت. امتدت القائمة مع الايام وكثر روادها وعجّ بهم الملف الذي كنت أتهيب من أن أجعل له عنوانا.

كنت ازور ملف هؤلاء الاصدقاء والاحباب المتوفين من حين الى آخر وخاصة كلما الحقت صديقا جديدا حضره الموت بهذا الملف، فألقي عليهم السلام كما ألقيه على الاموات بالمقبرة، ثمّ امدّ يدي لقراءة الفاتحة وصالح الدعوات، ثم صرت افتح الأغراض الافتراضيّة للمتوفي واطلع مجددا على تدويناته وارسالياته وما دار بيني وبينه من مراسلات، تحايا صباحيّة موشحة بصور الورود ومعطرة بشذى القهوة السخنة، ودردشات سياسية موسومة بنوارس السخرية والتفكه والتنكيت والاعجاب، واخبار عرضية نتساءل عن صحتها، ونصائح شتى حول الاكلات الصحيّة وادعية وتهاني اعياد ومناسبات، ويحصل كثيرا أن انقر على اللوحة واكتب ردا اقدر انه كان عليّ ان ارسله او اخط توضيحا لامر انتبهت إلى أنه غير واضح، واعزم صادقا على جمع شتاتي والاستجابة لطلبات او رجاءات او التماسات لم استجب لها يومها بما تستحق من اهتمام ورعاية، واتنقل بين هؤلاء الاصدقاء والاحباب وتدب الحياة في مواقعهم الافتراضية، ثم انتبه فجأة من غفوتي فافسخ ما دونت وأذكر نفسي أن من اخاطب هم في عالم الاموات وان الأقلام قد رُفعت والصحف قد جفّت. اغلقت السجل، اطلقت عليه اسم المقبرة الافتراضية، وبكل خشوع سحبت نفسي متثاقلا الى مواقع الأحياء وثناياها الصاخبة.

شاهد أيضاً

الذكرى الثلاثون لمنع جريدة الفجر من الصدور

الصادق الصغيري  تمرّ اليوم الذكرى الثلاثون لمنع جريدة الفجر من الصدور (ديسمبر 1990-ديسمبر 2020) وتشميع …

الصباح المبروك

الصادق الصغيري  ليس امامه الاّ الوصول باكرا الى المستشفى، فأصحاب المواعيد من أمثاله يحضرون الى …

اترك رد