fbpx
السبت , 23 يناير 2021

دبلوماسية التسول “الهم طامع في الغريدي”

أبو يعرب المرزوقي

كم تمنيت لو أن الرئيس تبون لم يقل شيئا عن المساعدة الجزائرية لتونس في الندوة الصحفية بينه وبين الرئيس قيس. وكنت أتمنى ألا يذكر شيئا عن الموقف من المسالة الليبية ووحدته.
فما حصل في الأمرين فضيحة للبلدين واعتراف صريح بضعف لا يكاد يصدقه من يعلم إمكانيات الجزائر وحتى تونس لو كان حكمهما راشدا وكان لرئيسيهما رؤية وإرادة حقيقيتين.

وأبدأ بفضيحة تونس. فحتى لو كانت الزيارة مقصورة على المجاملة والافتتاح والتهنئة بانتخاب رئيس تونس لرئيس الجزائر -ولست أدري من يهنيء من لأنهما كلاهما منتخبان جديدان- فإن ما حصل غريب وعجيب.
فرئيس تونس لكأنه ذهب بمفرده وليس معه لا رجال أعمال ولا ممثلين للقطاعات التي يمكن لتونس أن تكون فيها عارضة لا طالبة على الأقل للتغطية على التسول المخزي والمهين.
الرئيس تبون اعتذر عن غياب ما قد يستدعيه بكون تونس تنتظر تشكيل حكومة. ونسي أن رئيس حكومتها الحالي الذي ودع الرئيس بما يحبه أي بالبوس والعناق يعيش أنشط مراحل حكمه في تخريب مؤسسات الدولة وثروات البلاد الزراعية.
ففي هذه السنة وحدها أهملت ثمرات زراعاتها الكبرى وزيتونها حتى تعقد المافيات التي تمول حزب رئيسها صفقات مربحة للتوريد بدل التصدير. فما يقع إهماله من صابة الأغذية الأساسية للزراعة التونسية ومن التمور والزيتون والقوارص كل ذلك بقصد وليس لفقدان الأسواق.

ومثال واحد كاف للدلالة على ذلك. فقد سمعت وزيرا جزائريا “يهدد ويتحلف” ويزعم الحزم والعزم للضرب بيد من حديد على المطففين والغشاشين. فيم؟ في توزيع غبرة الحليب. هذه من أكبر فضائح الجزائر.
فقد احتلتها فرنسا في القرن التاسع عشر لأنها كانت تصدر لها القمح وهي لا تستطيع سداد مقابله. والجزائر التي مساحتها تعدل خمس مرات مساحة فرنسا حليبها غبرة مستوردة ربما من فرنسا. لذلك قلت “الهم طامع في الغريدي”.
ما قدمته الجزائر لتونس لا يعنيني من حيث مقداره وزهادته. فهو أشبه بمهبة نعطيها للأطفال في الأعياد لكنها متسلفة مردودة: وديعة. ما يعنيني هو ما فيها من إذلال لتونس حتى بضم تأجيل الديون الخاصة بتوريد الغاز.
والأهم من ذلك هو دلالة على أن الجزائر ربما في وضعية أكثر حراجة من تونس في مستوى ماليتها وحالها الاقتصادية. فلست أشك أن تبون كان يتمنى المساعدة بأكثر مما قدم لكن ما باليد حيلة فاللصوص نهبوا “بيت مال المسلمين”.
ذلك أن عديد سكان الجزائر وقلة الإنتاج والموارد المقصورة على “سونتراك” يجعلها دولة تعيش على مردود شركة مثل السعودية. دولة تمولها شركة تبيع زيت الحجر بسبب كسل البشر وعقم النظر.
وهذا يؤلمني حقا ويجعلني استنتج أن الفساد قد خرب الجزائر ربما أكثر مما خرب تونس. فماذا يفعل 40 مليون نفس في الجزائر التي تشرب حليب “غبرة؟” كل ذلك بسبب إيديولوجية الدولة الحاضنة التي تعلم الشعوب الكسل والعيش على الأمل.

ونأتي إلى الموقف مما يجري في ليبيا. كان تصريح تبون حازما إلى حد المأساة. قال شيئين كلنا يعلم أنهما لا يدلان إلا على شيء واحد وهو العجز والتبعية. فزعم تأييد الحل السلمي بين الليبيين:

  1. دليل خروج عن الشرعية وانحياز لمن ينتظرون منهم وعودا بالمساعدة -زيارة غفير الإمارات للبلدين قبل اللقاء.
  2. إذ هو موقف مخز يعني الاعتراف بحفتر ويضع المعتدي والمعتدى عليه في نفس المرتبة.

والكلام على معارضة التدخل الأجنبي دون تمييز بين من استنجد به المعتدى عليه مؤخرا وبين المعتدين منذ سنوات دليل عجز. ولا حاجة للاستدلال: فرئيس الجزائر قال بعضمة لسانه إن الأمر رهن موقف القوى الأوروبية.

وهو ما يعني ضمنا لا نستطيع “إغضاب” فرنسا كما هو بين من لومه كلام رئيس تركيا على شهداء الجزائر ردا على موقف فرنسا من تهمتها بالتصفية العرقية للأرمن.

أما سعيد فاكتفى بتأييد الموقف الذي عبر عنه تبون. وقد أفهم أن يكون موقف تبون شبه محايد بين طرفي النزاع. فالجزائر قادرة لو انتصر حفتر على الدفاع عن نفسها. ولا أعتقد أن حفتر ينوي مهاجمتها حتى وإن هدد بذلك.

لكن الثابت أنه ينوي مهاجمة تونس. وله فيها مؤيدون كثر. لذلك فلست أفهم حياده إذا لم يكن مأمورا به من قوة ما ليست مصلحة تونس من أولى همومها. ولا أعجب فتونس صارت هدف حلف خفي جنيس ما يجري في لبنان بين الملالي وفرنسا على تقاسم السلطان فيها ؟

لكن الفضيحة تبقى انقلاب دبلوماسية السياسة إلى تسول الحماية وانقلاب دبلوماسية الاقتصاد إلى تسول المعونة المذلة. هل صارت كفاءة الساسة خبرتهم هي في فن التسول خارجيا والتحيل داخليا.

وطبيعي في بلد صارت نخبه السياسية أشبه بأطفال الحي يتهاوشون حول كرة من ورق وتلك هي تونس. ولعل الصورة تكون أوضح لو شبهنا المشهد بمعارك العجائز في الحمام العربي يتصارعن بأسطل الماء ويتصايحن في بلاتوهات الإعلام.

لكما الله يا تونس ويا جزائر: “كورونا” ساستنا هي الفساد والاستبداد والعيش على التسول في الرعاية وفي الحماية وعنتريات الأقوال في غياب الأفعال.

شاهد أيضاً

السياسة من الخلف …

سفيان العلوي  الرئيس صعده إلى الحكم شباب حالم غاضب يقاطع الانتخابات غالبا إلا في مناسبة …

تحية للثورة عرفان بدَيْن لشباب الثورة

أبو يعرب المرزوقي  أحيانا أسأل نفسي: ما الذي أدين به للثورة التي بدأت منذ عقد …

اترك رد