fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

جِبالٌ من رِمَال (1)

علي بن مكشر

⁃ أتحدثني بكل جد ؟
⁃ نعم، ولقد قررت الرحيل، فهذه سنتي الثانية بالجامعة، ولا أرى لي مستقبلا في هذه البلاد.. لقد أخذت قراري وانتهى الأمر.
⁃ طيب، وفكرت في نُهى والأحلام العريضة والمستقبل الوردي ؟
⁃ لا شيء سيتغير، إنما أسافر لأحقق ذلك المستقبل، لنا، فلا شيء في بقائي يضمن أن تكون لي. لا شيء..

حَجَرٌ ملتهبٌ ذلك الذي ألقاه حسامٌ على قلب كريم.. لَم يخطر على باله أبدا، أن يفارق صديقه، الذي تآلفه ليال طوال، في المبيت الجامعي، وآنسه في غربته، فهما القادمان من أقاصي الريف البسيط، بأحلام كبيرة، وطموح لا يُحد، ويستعجلان الزمن لإنهاء الدراسة، والعودة بشهادة، تمكنهما من العيش المحترم. إنهما يحملان دَيْن الأمهات الكادحات، والآباء الصابرين، الذين حرموا أنفسهم طويلا، كي يصل أبناءهم للجامعة، ويشرفوهم بوظيفة يحسدهم الأقارب عليها، وذخرا لأيام شيبهم.

بات كريمٌ ليلتها يتقلب في فراشه، يعيد كلام رفيقه مرة ومرة.. يذهب خياله بعيدا، هناك الى ما وراء البحر، من حيث يأتي عُمّالنا بالخارج، يأتون بوجوه أكثر بياضا، ولباس أكثر أناقة، وبسيارات نظيفة.. حتى سالم ابن القرية، ذلك الذي رسب بالابتدائي، ذهب “حارقا” وبعد سنوات عاد بوجه لامع، وسيارة سبور، وخطب بنت الأكابر، ونسي أهلها كنيته القديمة “الاقرع” وزوجوه… ألا يكون حُسامٌ محقا؟ ثم هَب أنني تخرّجتُ ونلت الإجازة، هل يضمن لي ذلك التوظيف؟ الم يتخرج ابن عميّ من عشر سنين، وهو ينتظر فوق الدكة ؟.. ماذا أفعل وقتها ؟ هل أعود لشغل “المرمة” وينبزني “المبروك البناي”: “واش عملت بيها قرايتك، هاك جيت تخدم تحتي”.. سامحك الله يا حُسام، أية محادثة مشؤومة تلك. ظل الرفيقان يتجادلان موضوع الهجرة -الهجة- أشهرا عدة، حتى كادت السنة أن تنقضي، وفي النهاية، غلبَ رأيُ حُسام.. إلى ما وراء البحر إذن… بقي عليهما التفكير في الطريقة.. والمال، فهذا مشروع ليس متاحا للجميع، فإمّا ان تكون بقلب ميّت، أو صاحب مال كثير – كثير بمقاييس أهل القرية، الذين يعتبرون عشرين شاة، مالا وفيرا..

ثُريّا لاحظت جفاءً من كريم، عاتبته في سرّها، ثُمّ لامت نفسها.. كيف أعاتبه وبأي حق.. هُو لم يصارحني بشيء، فقط كان شَهما معيِ، يسألني كل يوم عمّا يحدث معي.. اهتمامه الكبير المحتشم، لا يعني أنه يحبني.. رُبّما لأنني مثله، قادمة من ريف سحيق… ربما رأى فيّ أخته في غربتنا وسط العاصمة المكتظة ليس الا… حتى لمعة عينيه، عندما يراني، ربما كُنْتُ أتوهّمها.. صحيح أنَّ قلبي ينقبض كلما تحاشاني، بعدما كان ينشرح كشراع وتفضحني وجنتاي بحمرتهما كلما أطل من بعيد، وابتسم فاستحال سماره ضياء يملأ أرجاء الكلية.. رُبّما كان وَهماً جميلا.. وما أتعس الحياة بلا أوهام .

يتبع

شاهد أيضاً

تأثير البداوة في المجال السياسي التونسي

علي بن مكشر  عندما يقفز رجل في السبعين من العمر، ويطالب رئيس الجمهورية بأن يستعمل …

راشد الغنوشي ونبيل القروي: محاولة للتفكيك والفهم

علي بن مكشر  يخطئ الكثيرون عندما يصنفون راشد الغنوشي ضمن الخط الثوري، كما يخطئ آخرون، …

اترك رد