fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

بين السّياسي والمشتغل بالسّياسة

صالح التيزاوي

بعد ستّين عاما من عمر دولة الإستقلال، ومهما كان حجم الإختلاف على الإستقلال، وبعد مرور تسعة أعوام على ثورة الحرّيّة والكرامة، التي تجاوز زلزالها تونس، ليمتدّ إلى أقطار عربيّة أخرى، ليست مختلفة عن تونس في نظم حكمها الإستبدادي، تأتي تقارير البنك الدولي مفزعة بشأن الوضع في تونس، حيث صنّفت بلادنا كأفقر دولة في القارّة الإفريقيّة، إذ يعيش قرابة نصف مليون تونسي على أربعة دنانير في اليوم.. وليس بعيدا عن هذا الرّقم، ما أشار إليه وزير الشّؤون الإجتماعيّة، حيث كشف أنّ حوالي 285 ألف أسرة تعيش تحت خطّ الفقر..

وبينما يتدحرج الوضع الإجتماعي والإقتصادي من سيّء إلى أسوأ، فإنّ المشتغلين بالسّياسة في بلادنا، يتلهّون بنهش بعضهم بعضا، ولا يبدو عليهم أنّهم منزعجون من الفقر الذي أصبح ينهش لحوم التّونسيين حتّى بانت عظامهم. وعجزوا عن تشكيل حكومة رغم مرور ثلاثة أشهر على الإعلان الرسمي عن نتائج الإنتخابات التّشريعيّة. يفكّرون بإسقاط الحكومات وليس بنجاحها، وينشغلون بحروب الكراهيّة والتّشويه بدل إصلاح الواقع المشوّه، الذي كانوا سببا في إنتاجه. لا يبالون أن تغرق السّفينة بالجميع، المهمّ عندهم أن يستعرضوا عنتريّاتهم في “التّكتيك” و”البوليتيك”.

حالنا، لم يعد يستدعي تخدير النّاس بالآمال الكاذبة، ولم يعد يتحمّل المزيد من العبث بمصالح البلاد والعباد، ولم يعد يتحمّل تصبير النّاس بما لدينا من وفرة في الحرّيّة إلى حدود الفوضى والتسيّب، ولم يعد يجدي نفعا، تعليق أسباب الأزمات المستفحلة على أعوام الإستبداد ولا على الحكومات السّابقة، وهي إحدى ميزات العقل التّونسي.
لقد علّق بورقيبة تأجيل الدّيمقراطيّة وإحكام قبضته علي كلّ السّلطات بأنّه ورث من الإستعمار الفرنسي غبار مجتمع بشري “poussiére d’individus”.. وهو ذات المنهج الذي سار عليه بن علي، وزاد عليه مزيدا من القسوة، وكثيرا من الشّراهة لنهب المال العام.. حكومات ما بعد الثّورة، هي الأخرى برّرت فشلها في إحداث نقلة نوعيّة في معيشة النّاس وعجزها عن ابتكار حلول جريئة وجديدة، بما سمّته التّركة الثّقيلة التي ورثتها عن الحقبتين البورقيبيّة والنّوفمبريّة. وما زالت كل حكومة تعلّق فشلها على سابقتها.

لقد حان الوقت لإيقاف مسلسل البحث عن تبريرات واهية لحالات العجز والقصور، لم يعد الشّعب مكترثا لسماع سرديّات بائسة عن الأسباب البعيدة والقريبة للأزمات، ولم يعد يكترث لمنطق الثّورة والثّورة المضادّة ولا لمنطق المنظومة القديمة والجديدة، ولا لعنتريّات الثّوريين.
ما يعنيه اليوم، هو أن يرى حكومة وسياسيين ينشغلون بفتح الملفّات الحقيقيّة والإنكباب على تحسين الأوضاع المعيشيّة للنّاس، بدل الإنشغال بالمناكفات وإثارة الكراهيّة والفتن.

قد يحتاج الأمر إلى طبقة سيّاسيّة، تحسن قراءة الواقع، وتستعين عليه بكل الكفاءات قديمها وجديدها، وتحلّل بطريقة علميّة وموضوعيّة، لا تغفل التّجارب المقارنة، أمّا منطق الكراهيّة والتّضليل الإعلامي، وصنع الأزمات للإرتزاق منها، فهذا، ليس من عمل رجال الدّولة والسّياسيين، وإنّما هو شغل من يشتغلون بالسّياسة، ويقّدرون أنّ دورهم لا يتجاوز تقسيم الغنائم وتدعيم وجودهم في سلطة لن تدوم لهم كما لم تدم لغيرهم.

شاهد أيضاً

عياض بن عاشور يخرج عن صمته

صالح التيزاوي  تزامنا مع الذّكرى العاشرة لاندلاع الثّورة، صرّح أستاذ القانون الدّستوري عياض بن عاشور، …

هل الديمقراطية تليق بهم وحدهم؟!

صالح التيزاوي  أبدى كثير من السّاسة والمشرّعين والمحلّلين الأمريكيين وخاصّة من الحزب الدّيمقراطي انزعاجهم من …

اترك رد