fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

الفخفاخ وعسر التّشكيل

صالح التيزاوي

كان من المفترض أن يستخلص رئيس الحكومة المكلّف، الياس الفخفاخ والأحزاب المعنيّة بتشكيل الحكومة الدروس من الأزمة التي مرّ بها تشكيل حكومة الجملي وما انتهت إليه من سقوط.. ولكن يبدو أنّ الطّبقة السّياسيّة لا تعتبر من أخطاء الماضي لا البعيد ولا للقريب ولا يبدو أنّها مدركة لحجم الفراغ ولخطورة الوضع الإجتماعي والإقتصادي، وإمكانيّة تفجّره وما قد يترتّب على ذلك من مخاطر على الإنتقال الدّيمقراطي.

لقد طالت المشاورات واللّقاءات ولم يحرز رئيس الحكومة المكلّف أيّ تقدّم في تشكيل حكومته، فهل العيب في المنهجيّة التي اعتمدها الياس الفخاخ؟ الذي بدا وكأنّه حريص على ضمان مرور الحكومة أكثر من ديمومتها ونجاعتها في معالجة كبرى الملفّات. أم العيب في الأحزاب التي لم تخرج بعد من مراهقتها ولم تتخلّص من أنانيّة القائمين عليها، حتى لا نقول قادتها، فهم أضعف من أن يكونوا قادة.. الكلّ مولع بالمناورة، يريد حكومة على هواه وترضي غروره وتستجيب لما يبيّت من نوايا، ينطلقون من الذّات ويعودون إليها بمعزل عن تطلّعات المجتمع وحاجته إلى
حكومة تسرع في التٍصدّي للفساد وتفتح الملفّات وتعيد للنّاس الأمل في أمنهم ومعيشتهم.

حركة الشّعب، بعد أن ناورت لإسقاط حكومة الجملي مازالت متمسّكة بمطلبها الأساسي “حكومة الرّئيس”، ومازالت مشغولة بالشّكل دون المضمون بإصرارها على ذات التّسمية، نكاية بخصومها ومن باب الإستعلاء، ليس أكثر… وهي غارقة في مخاوفها من تجربة الحكم كأوّل حزب عروبي يصل إلى السّلطة بطريقة ديمقراطيّة، ويقبل بالتّداول عليها وتقاسمها مع شركائهم في الوطن دونما حاجة إلى البيان الأوّل. وقد تجد نفسها في حكومة بخيارات ليبيراليّة، ستلجئها حتما إلى التّداين من الصّناديق الدّوليّة وهو أمر كانت تنكره على الحكومات السّابقة.

حزب التيار المولع بمقاومة الفساد في شكل عروض مسرحيّة، أمام الإعلام وتحت قبّة البرلمان، فاجأ الجميع بقوله، إنّه لا يمانع من تكليف الفخفاخ!! فكيف يستقيم، اتّهامه للشّاهد
بالفشل وبالتّقصير في محاربة الفساد، ثمّ يقبل بمرّشّح حزب “تحيا تونس”؟ فهل ضاقت عليه الدّائرة، وأصبح يبحث عن طوق النجاة من إعادة الإنتخابات؟ ليس خافيا أنّ حزب التيّار، يريد حكومة تكون للكتلة الدّيمقراطيّة فيها اليد الطّولى… وهو لا يمانع مثل حركة الشّعب من تشريك قلب تونس في الحكومة بشرط أن يصطفّ خلفهما، عندها فقط يصبح التّعميم بتهم الفساد أمرا غير مقبول… وقد صرّح سالم لبيض بأنّ قلب تونس أقلّ فسادا من أحزاب أخرى.

حزب تحيا تونس الذي خرج من الإنتخابات التّشريعيّة جريحا، يبحث عن موقع هام في الحكومة، خاصّه وأنّ المكلّف من اقتراحه، وربّما فكّر في أنّ إعادة الإنتخابات قد تكون في صالحه، لأنّه كما يقول سياسيّوه، خاضها تحت قصف النيران الصّديقة كما التي تتناقض معه جوهريّا وتصفه بالفشل في مقاومة الفساد وفي تحسين الظّروف المعيشيّة للنّاس طيلة حكم الشّاهد.

حركة النّهضة وبعد سقوط حكومة الجملي، تريد للمكلّف وللأحزاب التي خذلتها في تشكيل حكومة الجملي أن تشرب من نفس الكأس، كأس عسر المفاوضات وربٍما حتّى كأس السّقوط، وتريد أن يكون لها دورها الفاعل في تشكيل الحكومة الحالية، لذلك فهي تتمسّك بحكومة وحدة وطنيّة تظهرها بمظهر من مازال يصرّ على التّوافق وتجميع المخالفين، وهي أيضا لا تعتبر بتجربة التّوافق المغشوش، بما يعنيه ذلك من دخول حزب قلب تونس للحكومة، الذي قد يجد نفسه هذه المرّة بعد أن غدر به حزب الشّاهد مضطرّا لتنسيق المواقف مع حركة النهضة،
وبذلك يضمن الطّرفان عدم الإنقلاب عليهما من حكومة الرّئيس… التي باتت شبحا غامضا ومخيفا.

يمرّ الياس الفخفاخ بنفس التّجربة التي عاشها الحبيب الجملي، يتحرّك بين أحزاب غلبت عليها تناقضاتها، ولم تستطع تجاوز خلافاتها لحسابات سياسويّة لا علاقة لها بمصلحة الوطن والثّورة والشّعب كما يأتي ذلك على ألسنتهم في وسائل الإعلام. زاد في تعقيد الأمر أنّ تجربة تكليف “الشّخصيّة الأقدار” هي التّجربة الأولى في إطار الإنتقال الديمقراطي، ليس لها سابقة، والكلّ يريد أن يفسّرها ويمضي فيها على هواه. قد يكون من اللازم إزاء هذا الوضع المعقّد الذي لا يمكن أن تستفيد منها سوى لوبيات الفساد والجريمة المنظّمة، قد يكون من اللازم أن يعود الجميع للشّعب ليقول كلمته الفصل بأسرع وقت ممكن.

شاهد أيضاً

المستفيد من أعمال التخريب

صالح التيزاوي  ابحث عن المستفيد تعرف الفاعل قاعدة يطبّقها المختصّون في علم الجريمة لمعرفة الجاني، …

معارضة اللامحتوى

صالح التيزاوي  زمان.. أيّام الإستبداد النوفمبري، كان للمعارضة محتوى، وكانت لأشكال النّضال بريقها، رغم مناخ …

اترك رد