fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

حرقوص الكلاب !

بشير العبيدي

#بالفلفل_الحار

كاتبني بدرة ابن خالتي، وأخبرني بأنّ مخلوقة تحمل جنسية تونسيّة قالت مؤخّراً، خلال برنامج لها في قناة تلفزيّة، وهي تعلّق رافضة التزام الرّئيس التونسي الكلام بالفصحى: (اللغة العربيّة مزعجة وركيكة، والشعب لا يفهم اللغة العربيّة، وبورقيبة كان فصيحاً دون الحديث بالفصحى) ! هكذا قالتها بالفصحى، لغة الإزعاج والركاكة!

حسناً. فليكن. ولأنّني رجلٌ صاحب نصيب وافر في الإزعاج والرّكاكة التي سبّبت لك الجرب المعرفي، قرّرتُ أنْ أمارس الرّكاكة على الأصول العشرين. ولقد شهدت لي أمّي بذاك، وضربتني يوماً بجُمعٍ لا يقرأ ولا يكتب، بسبب إزعاجي وركاكتي.

ففي مرّة من المرّات، كنت جالساً في فناء كوخنا أعبثُ، وبجانبي كلبةٌ قذرةٌ، استوطن فروتَها القُراد، نسمّيها (حُصّة)، وسيأتي ذكر هذه الكلبة في الجزء الثاني من كتابي (خواطر الأنفاق وبشائر الآفاق). فجاءت والدتي، وأوقدت فحماً على الكانون، ووضعتْ عليه علبةً من صفيح مصبّرات الطماطم، وضعتْ فيها مستلزمات تصنع من أخلاطها الحرقوص، ثم راحت تكنس المُراح. فغافلتها وعمدتُ إلى قشّة يابسة، وغمستُها في الحرقوص، وذهبتُ أعمل حاجبين جميلين للكلبة حُصّة، وهي راكحة الرّأس على ذراعيها! فرأتني أمّي أمّي أحرقص للكلبة، فخاتلتني وفي يدها سلاحها المفضل: فردة من خفّها للهارب، وجُمعها لمن تطاله، حتى ضربت برأسي رأس الكلبة حصّة، وقالت لي: “أيش هذه الفعايل، يا ركيك يا رِمز”، بكسر الرّاء، ومعناها في اللهجة المحلّية: المزعج، ثقيل المزاح! وكفى بالمرء شهادة إذا شهدت فيه أمّه.

ولهذا السّبب أنا مزعج وركيك و(رِمز) بكسر الرّاء، وبفتحها لمن شاء: رمزُ الركاكة. لأنّه لي باع في وضع الحرقوص على حواجب الكلاب. فخذي منّي من قعر الخابية:

العربيّة مزعجة وركيكة؟! اسم الله على أذنيك ! الله ينجّيك وينجّينا من الإزعاج والركاكة! وبعد، ما الذي ألزمك بالتعرّض للفصحى المزعجة؟! سكّري أذنيك بحبّتيْ زيتون أو بسمّاعات مصفّية للصوت. ويمكنني حتّى -فوق صمم أذنيك- أن أجعلك لا ترين الفصحى أبداً على واجهات المحلات ما دامت روحك رهينة جسدك! فلا بدّ للصمم من عماية، هي خربت خربت ! سأسأل لأجلك بعض أصدقائي اليابانيين إن كانوا يستطيعون أن يخترعوا لك نظارات تموّه الكتابة الفصحى حيثما وقعت عينك، لا وقعتْ عيناك على ركيك، لكن لا أعدك بشيء في هذا، لأن أهل اليابان بحكم تشبّثهم بفصحاهم على عكس نكبتنا، لم ينتبهوا لهذه الفرصة في الأسواق العربية، بالتأكيد يوجد الكثير من أمثالك ممن ينبغي أن تصنَع لهم نظّارات العمى الذكيّ، وسمّاعات الطرش الذكيّ، فلقد كشف الربيع العربي عن سوق نافقة لأهل النفاق من الثّقفوت واللّهثوت والهملوت.

وها قد فهمنا -حينئذ- سبب سقوط الطاغية الفاسد بن علي: فالسبب يعود إذن لكونه كان يستخدم الفصحى لغة (الإزعاج والرّكاكة)، وليس بسبب الثورة. والدليل على ما أذهب إليه هو أنه طيلة سنوات حكمه الفاسد لم يستخدم في خطبه غير الفصحى المزعجة الركيكة، إلا ليلة سقوطه قال: (أي نعم أنا فهمتكم)! لقد فهم أن التونسيّين ما كانوا يفهمونه، بسبب استخدامه للغة الركيكة التي أزعجتك، بعيد الشرّ عليك! وهذه سيضيفها المؤرخون في سبب سقوط بن علي وبقاء يتاماه بلا عائل ولا كفيل!

والعجب -في باب الركاكة دائماً- هو كيف لجأ بورقيبة إلى الفصحى في حكمه واستخدمها وخطب بها وكتب بها دستور البلاد وبها أمر باعتماد النشيد الوطني وحفّظه للعباد، وكيف فاتتك هذه، لكنّك معذورة أو مغدورة، فأنت مازلت بعُد”غشّيرة” أو “تفّاحة” بورقيبيّة، أسنانك أسنان حليب، مازلت ترضعين من “دقّيشة” تاريخه وتمصّين عرق السوس من مخلّفات زمن السقوط.

وأكثر من هذا عجبًا، هو كيف غنّت أمّ كلثوم أجمل أغانيها على الإطلاق بفصحى الإزعاج والرّكاكة، ومن الراجح أنّه لا خبر لك بذلك، فأنت تسمعين بالتأكيد من هم في مستواك، من مزود يا سيّد الأسياد ومن قبيل (هاو ما نحبوش يصلّي، نحبو يسكر ويغني، ويجيني ويقابلني ويقول لي اللمو اللمو)، ولقد غنّت كوكب الشرق: يا فؤادي لا تسل أين الهوى، وغنّت: أغار من نسمة الجنوب، وغنّت: سلوا قلبي، وغنّت: الثلاثية المقدّسة، وغنّت: سمعتُ صوتا هاتفا في السّحر… كلّ ذلك باللغة العربية المزعجة الركيكة! وغنّت اسمهان: ليت للبراق عينًا! بفصحى الركاكة! وغنّت عليّة التونسية: بنيّ وطني بفصحى الركاكة. وغنّى حسن عريبي: اشتدي أزمة تنفرجي بفصحى الركاكة! وغنّى صباح فخري قل للمليحة في الخمار الأسود بفصحى الركاكة! مع أنني لا أنصحك بسماع أغنية الخمار، كي لا يجتمع عليك شرّان، شرّ الفصاحة المزعجة وشرّ ستر الشعر، وغنّت فيروز عن القدس بفصحى الركاكة نفسها التي غنّت بها: جادك الغيث إذا الغيث هما… يا زمان الوصل في الأندلس!

بالتأكيد أنت ما سمعت بهذه الركاكة، لأنك لو سمعت مثل هذه الأغاني، ففي حكم اليقين يصيبك الهبل والخبل، ولا يبقى لنا من أمرك سوى جلبك إلى إحدى العواصم الغربية من أجل علاج الورم الذي في طبلة أذنيك وجلطة قلبك!

وفوق هذا، أيتها الشاكية من إزعاج الفصحى وركاكتها، ماذا لو علمت أن الفصحى الركيكة المزعجة هي اللغة الرسمية في الأمم المتحدة، وهي مستخدمة من طرف نصف مليار بشر، ويتعبّد بها مليار ونصف المليار من المسلمين، مع أنّني على يقين أن العبادة ليست كأس الشاي المحبذ لديك، ولقد أدرجت فرنسا في تعليمها الابتدائي والثانوي والجامعي اللغة المزعجة الركيكة، وهي -أي فرنسا- تعلم حقّ العلم أن (الفغونسي يعبّر خير) كما قالت تلك البورقيبية صديقتك، ذات ثلاثة عشر جانفي 2011 ! أتذكرين؟

على أنّني لا أريد الدخول معك في قصّة أن اللسان العربي لغة القرآن، ولغة أهل الجنة، وما إلى ذلك. هذه المسائل تفهمينها حين يهديك الله ويتوب عليك، ولعلك تتصالحين مع ذاتك وتمرّين في إحدى سفراتك المكّوكية من باريس، فأخبريني -بالله عليك- لعلنا نلتقي وأسمعك لغة الركاكة على المباشر بلا كتابة، من المنتج إلى المستهلك.

فقط، بالله عليك، إذا مررت بديارنا الباريسية إيّاك أن تجعلي طريقك ناحية “دار تونس للطلبة”، لقد رمّموها بعد الثورة وصمّموها -الكلاب- من جهاتها الأربعة بحروف اللغة المزعجة الركيكة… والله أخاف عليك – إن رأيت الحروف العربيّة كساء لدار تونس في باريس – أن يصهدك داء الخزنوانية فوق ما بك من علل.

ثم لو علمت أن دار تونس في باريس -وكسوتها بالحرف المزعج الركيك- أطلقوا عليها “جناح بورقيبة”، فإنك – لا محالة تصابين بـ “أبي صفّير”، هكذا باللّغة المزعجة الركيكة !

وفي الختام، لا أشعر أبداً بأن وصفك للعربية بالإزعاج والرّكاكة قد غيّر من شأن العربية شيئا، اللهم أنّك حرّكت مدادي لكي أكتب هذه السطور الساخرة، وأشكرك جدّاً على ذلك، لقد أبهجت وفكّهت كثيرا من الناس بحماقتك هذه، وما أتعبتني الكتابة في حماقتك إطلاقاً، فأنا أدركتُ منذ سنوات طويلة أنّ قدري في هذه الدنيا أن أبقى كما كنت طفلا صغيرا: ما دام قلمي يصل إلى سائل الحرقوص، سأحرقص به للكلاب وللمصابين بداء الزهايمر الثّقافي، والزهايمر واسمه الخرف، بلغة الإزعاج والركاكة!

✍🏽 #بشير_العبيدي | باريس – جمادى الآخر 1441 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |

شاهد أيضاً

وداعاً … بنت عمي! محرزية العبيدي

بشير العبيدي  #رقصةاليراع #محرزيةالعبيدي سيدة عظيمة من سيدات تونس والوطن العربي، غادرت عالمنا هذا اليوم، …

أريج السعتر… على طريق المدرسة

بشير العبيدي  #رقصة_اليراع أشقُّ البرارَ والبحارَ مهاجراً، ثمّ أعودُ لمرفع رأسي – بين الفترة والفترة. …

اترك رد