fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

تصعيد النهضة وإعلان استعدادها لإعادة الانتخابات.. أمور جديّة.. أم مجرّد مناورة للضغط..؟؟!!

عبد اللّطيف درباله

في ثاني مؤشّر متواتر على إبداء النهضة استعدادها لإعادة الإنتخابات التشريعيّة.. قدّمت كتلة الحركة في مجلس نواب الشعب مشروع تعديل جديد للقانون الإنتخابي.. بعد أن أصبح التعديل السابق المصادق عليه منتهيا فعليّا..
وصباح يوم الثلاثاء 28 جانفي 2020.. قرّر مكتب مجلس نواب الشعب إحالة المبادرة التشريعيّة الجديدة للجنة التشريع العامّ.. داعيا إلى الإستعجال في النظر في المبادرة تحسّبا لأيّ تطوّرات.. في إشارة واضحة إلى احتمال فشل حكومة الياس الفخفاخ.. والذهاب إلى سيناريو إنتخابات جديدة..!!

كان مجلس شورى حركة النهضة.. أعلى هيكل قرار بالحزب.. قد اتّخذ يوم الأحد المنقضي قرارا أصدره في بيانه العامّ.. بضرورة “توسيع المشاورات لتشمل مختلف الكتل النيابية وذلك لتوفير حزام سياسي واسع مثلما ورد في نص التكليف الصادر عن رئيس الجمهورية بما يضمن الوصول إلى حكومة وحدة وطنية ذات مضمون اجتماعي ديمقراطي”.. مضيفا بأنّ “المجلس يوصي المكتب التنفيذي بالتهيؤ لكل الاحتمالات بما فيها الانتخابات السابقة لأوانها على أن يبقى مجلس الشورى في حالة انعقاد دائم.”..
يأتي ذلك على خلفيّة تصاعد الخلاف بين النهضة.. وبين إلياس الفخفاخ رئيس الحكومة المكلّف.. والحزبين المعاضدين له.. تحيا تونس والتيّار الديمقراطي.. حول مكوّنات ذلك الإئتلاف.. بإعلان الفخفاخ في بداية مشاوراته قراره باستبعاد حزبي الدستوري الحرّ وقلب تونس..
كان واضحا أنّ هذا الإستبعاد تمّ بموافقة حزبي الشاهد وعبّو.. لكنّ النهضة ترفضه..!!
وإن اتّهم البعض النّهضة بمحاولتها فرض دخول حزب قلب تونس بالقوّة في الحكومة القادمة.. مندّدين بإصرارها على الدّفاع عن حزب تحوم حول مؤسّسه شبهات فساد..
فإنّ البعض الآخر يدفع إلى أنّ تبرير شبهات الفساد للقروي يخفي في الحقيقة أسبابا سياسويّة أخرى تتناغم فقط مع توجّهات ومصالح يوسف الشاهد الذي كان في حرب شرسة وطويلة مع القروي طوال سنوات.. والرّاغب في إقصاء حزب نبيل وحزبه لكونه يمثّل خطرا سياسيّا عليه.. باعتباره سليل نفس عائلة نداء تونس والسبسي.. وينهلان من نفس الخزّان الإنتخابي.. ولكنّه يتمتّع بشعبيّة أكبر منه.. ترجمت في تفوّق عريض لنبيل القروي على غريمه يوسف الشاهد في الإنتخابات الرئاسيّة.. بحصوله على ضعف عدد أصواته تقريبا.. وفي تفوّق حزب قلب تونس على حزب تحيا تونس في الإنتخابات التشريعيّة.. بحصوله على ما يقارب ثلاثة أضعاف مقاعده..!!!
وبالتالي فإنّ معركة الشاهد مع القروي هي مشكلة وجود وتنافس سياسي وليست معركة فساد.. خاصّة وأنّ الشاهد تطارده بدوره اتّهامات بالفساد في ممارسته لمهامه كرئيس للحكومة.. وهو محلّ عديد القضايا المرفوعة ضدّه أمام القضاء..!!

فهل أنّ النهضة على استعداد حقّا للذهاب إلى حدّ رفض حكومة إلياس الفخفاخ.. إن لم يحقّق لها مطالبها.. أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون إلاّ مناورة سياسيّة الغرض منها الضغط بقوّة على حزبي التيّار الديمقراطي وتحيا تونس.. وعلى رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ..؟؟!!
طبقا لمصادر مطّلعة ومتعدّدة ومتطابقة.. فإنّ الجلسة الأخيرة لمجلس شورى حركة النّهضة كانت صاخبة جدّا.. وهاجمت فيها أغلبيّة أعضاء مجلس الشورى الوضع الحالي الذي اعتبروه متردّيا ومهينا لحزبهم..!!
وخلافا لاجتماعات سابقة للمجلس فرّقتها صراعات الأجنحة والخلافات المتصاعدة بين القيادات.. فإنّ الجلسة الأخيرة شهدت نسيانا للخلافات.. وشبه إجماع من الغالبيّة العظمى على ضرورة أن يستجيب الفخفاخ لشروطهم.. أو تركه يسقط.. ولو كان الثمن إعادة الإنتخابات.. باعتبار أنّهم لا يخشون الإعادة.. وليس لديهم ما يخسرونه.. !!
ناهيك وأنّ التصويت على ذلك القرار الذي تمّ الإصرار على ضرورة تضمينه صراحة بالبيان الرسمي الصّادر للإعلام.. تمّت المصادقة عليه بأغلبيّة تناهز 90 بالمائة من الأصوات..!!

تكمن رؤية النهضة في أنّه.. ومع الإقرار بأنّ الحركة أفلتت فرصتها الدستوريّة في تكوين الحكومة.. باعتبارها صاحبة المرتبة الأولى.. وذلك لعدّة أسباب من بينها ما اعتبروه تآمر بقيّة الأحزاب ضدّها لسلبها حقّها الدستوري والذهاب بها للفرضيّة الثانية للفصل 89 من الدستور بتكليف رئيس الجمهوريّة لرئيس حكومة جديد.. فإنّه لا يعقل أن يكون حزبهم هو الأوّل (كتلة بـ54 مقعد حاليّا).. وهناك كتلة ثانية كبرى هي قلب تونس (38 مقعد).. ويقوم رئيس الدولة سعيّد في المقابل بقبول تكليف إلياس الفخفاخ الذي كان مرشّح حزب في المرتبة السابعة هو تحيا تونس (14 مقعد فقط)..
وأنّه اليوم يقوم حزب آخر هو التيّار الديمقراطي الثالث في الترتيب (22 مقعد).. بإدارة المفاوضات مع الأحزاب في الكواليس الفعليّة..
ممّا يعني بحسب قيادات النّهضة أنّ حزبين أقليّين في البرلمان لا يملكان مع بعضهما البعض إلاّ 36 مقعدا.. يسيطران الآن على القرار في ما يخصّ تركيبة الحكومة واسم الأحزاب المشاركة فيها.. وعلى خياراتها الكبرى.. الشيء الذي لم تستسغه النهضة تماما.. ولذلك فإنّها أصبحت تتحدّث بلغة “حكومة وحدة وطنيّة” تضمّ الجميع.. لأنّه بدخول الجميع.. ستحاصر النهضة تحيا تونس والتيّار الديمقراطي.. وتعيدهما إلى حجمهما الطبيعي في البرلمان بحسب ما تعتقد..!!

قرار النّهضة.. وعلى ما ظهر في الأيّام الموالية.. حرّك المياه المضطربة بطبيعتها..!!
فقد برز أوّلا موقف حركة الشعب التي كانت سابقا متماهية إلى درجة متقدّمة مع التيّار الديمقراطي.. ولا تزال شريكة معها في كتلة واحدة بمجلس نواب الشعب.. إذ تنافس قادتها على إعلان موقفهم صراحة من الأزمة.. بأنّهم ليسوا ضدّ دخول قلب تونس في الحكومة.. وأنّ حزب يوسف الشاهد ليس أنظف من حزب نبيل القروي..!!
لهجة التيّار الديمقراطي إزاء موقف النّهضة.. وإن بقيت عالية وحادّة في الإعلام كعادتها.. مندّدة بما اعتبرته إصرار من الحركة على إدخال حزب القروي المتعلّقة به شبهات فساد.. بعد أن وعد ناخبيه بعدم التحالف معه إطلاقا بعد الإنتخابات.. فإنّ المطّلعين على كواليس المفاوضات أكّدوا أنّ لهجة التيّار الديمقراطي تغيّرت.. وأصبحت أقلّ حدّة من الظّاهر..!!
ونقل بعض قادة حركة النهضة أنّ عروضا بالحصول على “حصّة” محترمة في الحكومة.. قد وصلت النّهضة في محاولة لإثنائها تماما عن احتمال رفض حكومة الفخفاخ.. والذهاب بالبلاد لسيناريوهات أخرى منها إعادة الإنتخابات..!!
وأكّد مصدر مطّلع في النّهضة أنّ محمّد عبّو أبدى موافقته المبدئيّة على أن تعيّن حركة النهضة من تراه مناسبا بوزارة الداخليّة من الشخصيّات المؤهّلة للمنصب.. بعد أن كان التيّار يتمسّك سابقا بحقيبة وزير الداخليّة لنفسه..!!
تحيا تونس أيضا حاول النأي بنفسه عن الصّراع.. وأن يظهر بأنّه ليس هو من يقف وراء إقصاء حزب قلب تونس من حكومة الفخفاخ.. فخرجت بعض قياداته مثل وليد الجلاّد ومبروك كرشيد داعية إلى تمكين حزب القروي من فرصة الدخول في الحكومة إن أراد ذلك..!!
حسونة الناصفي رئيس كتلة الإصلاح الوطني (15 مقعد).. والتي تضمّ نوابا عن مشروع تونس والبديل التونسي وغيرهم.. أبدى صراحة رفضه لاستبعاد قلب تونس من الحكومة.. مصرّحا بأنّه أقرب من حيث الانتماء العائلي السياسي إلى حزبي قلب تونس والدستوري الحرّ أكثر من أيّ حزب آخر..!!

في خضمّ كلّ ذلك.. بادر رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ إلى طلب مقابلة عاجلة مع رئيس حركة النّهضة راشد الغنّوشي.. في أوّل الأسبوع قبل سفره إلى الخارج لحضور ندوة دوليّة في نطاق نشاطه كرئيس للبرلمان.. وزاره بمنزله الشخصي.. محاولا من جهة استطلاع الموقف الحقيقي للنّهضة بعيدا عن البيان السياسي الرسمي المكتوب لمجلس شورتها.. ومحاولا من جهة ثانية إثناء زعيم الحركة عن موقفهم المصرّ على توسيع الأحزاب والقوى السياسيّة المشاركة في الإئتلاف الحكومة وأساسها قلب تونس..
وبحسب المعلومات المتداولة.. فإنّ الفخفاخ لمس إصرارا من الغنّوشي على موقف الحركة المعلن..!!
وفهم الغنّوشي في المقابل.. على ما رجّح.. بأنّ الفخفاخ لا يملك هو القرار كليّا.. وإنّما يحتاج إلى المشورة للتحرّك والحسم..!!!

يوم الجمعة.. عقد إلياس الفخفاخ ندوة صحفية أعلن فيها ثقته من نيل حكومته الثقة بأكثر من 160 صوتا.. وبمساهمة 10 أحزاب بدون أي شروط..
إلاّ أنّ تصريحاته تلك جوبهت باستغراب.. باعتبار أنّ أحزاب قلب تونس والدستوري الحرّ التي استبعدها الفخفاخ.. وحركة أمل وعمل وائتلاف الكرامة الذين أعلنوا رفضهم التصويت بالثقة للحكومة.. يبلغ مجموع أصواتهم 75 صوتا.. بما يجعل بقية الأصوات لا تتجاوز 142 صوتا وليس 160 كما زعم الفخفاخ..
فإن أصرّت النهضة على موقفها.. كان معنى ذلك أن الفخفاخ لن يحصل حتى على تسعين صوتا..!!!

اليوم السبت.. كان من المفترض عقد لقاء بين العشر أحزاب المعلن عنها من الفخفاخ.. للمصادقة على بيان نوايا الحكومة..
إلا أنّ إلياس الفخفاخ أعلن عن تأجيل اللقاء في آخر وقت.. بتبرير أنّ رئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي كان على سفر ولم يتسنّى له الوقت للحضور..
في حين اتّضح لاحقا بأنّ راشد الغنّوشي اجتمع في نفس ذلك الوقت تقريبا بالمكتب التنفيذي لحزبه..!!
بما يعني أنّ السبب الخفيّ للتأجيل هو مواصلة النهضة رفض التوافق مع الفخفاخ قبل قبوله بشروطها.. وإفساح مزيد من الوقت لمحاولة إيجاد حلول وتسويات..!!
وقد أعلن المكتب التنفيذي لحركة النهضة مساء اليوم السبت.. ومرّة أخرى.. تمسّكه بتوسيع قاعدة الشركاء في الحكومة دون أيّ إقصاء.. بما يعني تمسّكا بنفس الموقف الداعي إلى إشراك قلب تونس.. أي بما هو ضدّ إرادة إلياس الفخفاخ ومن معه..!!!

في المقابل.. فإنّ التساؤلات تطرح ليس فقط حول مدى إمكانيّة إعادة الإنتخابات حقّا.. وإنّما أيضا حول شكل الخارطة السياسيّة المحتملة لمجلس النواب القادم إن أعيدت الإنتخابات..؟؟!!
وكذلك حول مدى قدرة حركة النّهضة على النّجاح في الحصول على مصادقة مجلس النواب الحالي على مشروع قانونها الذي من شأنه أن يغيّر موازين القوى مستقبلا..؟؟!!

•• يمكن متابعة محاولة الجواب على تلك الأسئلة.. عبر مطالعة مقالنا التحليلي التالي: هل يمكن للنهضة تمرير تعديل القانون الإنتخابي..؟؟!!

شاهد أيضاً

أزمة كورونا في تونس: مطلوب قرارت حكوميّة شجاعة وإجراءات ذكيّة قبل الكارثة وليس بعدها..!!!

عبد اللّطيف درباله  لا يتعلّق الأمر بفرض الحجر الصحي الشامل تحديدا.. لكنّ ما هو واجب …

تعديل وزاري في تونس بطعم الاستقرار

نور الدين العلوي  أعلن رئيس الحكومة التونسي (السيد المشيشي) عشية السبت (16 كانون الثاني/ يناير …

اترك رد