fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

المقاربة الصحية للحكم

مصدق الجليدي

لا يوجد حل ثوري مثالي قابل للتطبيق الفوري للوضعية السياسية والاجتماعية الحالية للبلاد. هذا ما يفيدنا به النظر الرياضي. ومن لم يكن مهندسا (رياضيا) فلا يدخلن علينا. فمهما قلبنا الأمر على وجوهه، فقد “وحلت الفأس في الرأس”، ومن يدعي الفلاح، “لو كان جاء فالح راهو من البارح”.

الآن توجد طريقتان في التعامل مع الوضع. ومهما كان الأمر، فهنالك وضع، ومن بين مكونات هذا الوضع ضرورة تشكيل حكومة وتسيير شؤون الدولة وقضاء حوائج الناس، إما بحكومة الشاهد الماكر، أو الفخفاخ الذي نزلت عليه ليلة القدر من سماء قرطاج، أو أي رئيس حكومة آخر، ولن يكون آخر، إلا بتكليف جديد، بحل البرلمان أو من دونه. ولهذا تفصيلات كثيرة لن أخوض فيها الآن.

أعود إلى الطريقتين في التعامل مع الوضع:

  • الطريقة الأولى هي البقاء في المعارضة ومواصلة التذكير والتلويح بالسقوف العالية لاستحقاقات الثورة.
  • والطريقة الثانية هي التعامل مع هذه المعادلة المعقدة التي تجبر أعتى عتاة الثورية على الاشتراك في العمل مع الفاسدين، فإن لم يكن قلب تونس، فتحيا تونس وكتلة الإصلاح (والتي تضم فيما تضم حزب البديل للمصلح الكبير، بمعايير صندوق النقد الدولي، مهدي جمعة، كما تضم صديق حفتر حسونة الناصفي، وبقايا النداء وآفاق…).

ومن يخير الطريقة الأولى، فسيجد نفسه مجبرا على اعتماد الثانية، إن أتيحت له فرصة المشاركة في الحكم، كما يحصل الآن مع التيار وحركة الشعب، من بعد النهضة.
ما الحل وما العمل إذن، وقد “بان بالكاشف” أن “حكومة الرئيس” نفسها (المحتضنة حاليا للفاسد الشاهد وحزبه) لن تكون ثورية حقا؟

أنا أشبه الدولة بجسم حي. هذا الجسم يوجد في محيط طبيعي، وهذا المحيط به عناصر جيدة ومفيدة للجسم، مثل الهواء والماء والغذاء، ولكن توجد به أيضا أوساخ وجراثيم وفيروسات، بعضها يخترق الجسم، وقد يصيبه بالحمى، ثم بالوهن فالانحلال. فهل سيهرب الجسم “من نفسه” للتخلص منها، أم سيمتنع عن العيش في محيطه “الطبيعي” ؟
صحيح أن مقاومة تلوث المحيط، والدأب على تطهير الجسم أمر حيوي ومطلوب، ولكن الجسم القوي هو الذي يكتسب مناعة ويطور منظومة دفاع عن نفسه وحماية لها من المخاطر التي تتهددها. هذا هو بالضبط ما يجب أن نقوم به مع جسم الدولة: تطوير جهاز مناعة. ولا يكون ذلك بالحوكمة فقط، ولكن أيضا بقانون انتخابات جديد، لا يسمح بالتسرب الفاسد للبرلمان ولمنظومة الحكم، وبالقضاء المستقل وبالأمن الجمهوري، وقبل كل ذلك بالتربية السوية، أي بالرقيب الذاتي، الذي يراقب أيضا كل جسم غريب عن الجسم الحي الكبير ويتصدى له تلقائيا.
أي توخي مقاربة واقعية، ولكنها واقعية صحية وليست واقعية الاستسلام للأوبئة وللمخربات والمخربين.

شاهد أيضاً

العقل الحداثي والمسألة الدينية

مصدق الجليدي  كتب زميلنا وصديقنا الفيلسوف اللامع فتحي المسكيني نصّا مكثفا (تدوينة فايسبوكية) يحدّد فيه …

الإيمان في فلسفة الحضارة

مصدق الجليدي  الغالب مع موضوع الإيمان هو طرحه طرحا لاهوتيا. ويطرح في مقابله الكفر. وبهذا …

اترك رد