السبت , 30 مايو 2020

أدعياء الثقافة وصمويل بيكيت

عطية الأوجلي

من همس الذاكرة … !!!

في الستينيات من القرن الماضي إنتشرت بين المثقفين العرب مفاهيم ومصطلحات وافدة مثل الغربة والعبث والوجود والحداثة والمعاناة. كانت جزءً من المشهد الثقافي وجزءً من تأثره بالتيارات العالمية ولكن بعض من أدعياء الثقافة تلبسوا الحالة شكلا وموضوعاً.. فأصبحت الغرابة في الاسلوب والمظهر هدفا في حد ذاته.. فتسابقوا على اطلاق اللحي وإقتناء “البايب” وإرتداء “البيريه” وعلى الشرود على كراسي المقاهي لساعات وعلى إدمان التذمر والاحتجاج وربما حتى القليل من إهمال النظافة الشخصية.

تلقف احد الكتاب الساخرين هذه الحالة وقرر أن يلقن هؤلاء المتطفلين درسا في الثقافة. فدعاهم الى حضور ندوة ستقام لمناقشة نص جديد للكاتب الايرلندي الشهير صمويل بيكيت بعنوان “تأملات صرصار في بالوعة”.. وكان الكاتب الساخر قد امضى أيام عدة في بيته يكتب نصا عبثيا لا معنى له يدور حول تأملات هذا الصرصار… واطلع عدد من أصدقائه المقربين وهيئة تحرير المجلة التي يعمل بها على نصه العبثي..

وفي يوم الندوة حضرت أعداد من المثقفين إياهم واطلعوا على النص وقتلوه تحليلا أشبه بتحليلات المحللين السياسيين على القنوات العربية.. وبعد ساعات من النقاش الساخن وتضارب الآراء حول المعاني التي يقصدها الكاتب وحول معنى أن يكون الصرصار وحيدا في بالوعة المجاري وانعكاسات تلك الوحدة على الوعي الداخلي بالذات وهشاشة الكون واحتجاجات الشباب بأوروبا… وبعد الانتهاء من هذه التحليلات المعمقة شكرهم الداعي الى الندوة وأخبرهم بأن مجلته ستخصص عددا خاصا حول هذه التحليلات… وهذا ماكان..

نشر الكاتب الساخر تحليلات أدعياء الثقافة ومعها النص وكذلك إعترافه بأن هذا النص من تخيلاته وان السيد بيكيت بريء من هذا النص براءة الذئب من دم يوسف. وعزز كلامه بشهادات الذين عاصروا تأليفه للنص. الضجة كانت كبيرة والسخرية كانت قاسية.. وأدت في نهاية المطاف الى اختفاء مجموعة من أدعياء الثقافة وتقلص عددهم في المقاهي.. والى تراجع كبير في استخدام ألفاظ مثل الغربة والعبث والوجود والحداثة والمعاناة. لماذا تذكرت هذه القصة الآن ورويتها لكم…؟؟ لا أعلم… ولكن ربما لها علاقة بالوعي الداخلي للذات وهشاشة العظام.. وسعر البطاطا في غدامس… !!!

كاتب ووزير ثقافة سابق في الحكومة الانتقالية الليبية