fbpx
الثلاثاء , 26 يناير 2021

في نقد مذهبية دولة الحداثة المسقطة

مصدق الجليدي

من العجائب الابستيمية والسياسية: الدولة التونسية تلزم الأئمة بمذهب كلامي يعود ظهوره لألف سنة إلى الوراء.

من اللافت للنظر إلزام وزارة الشؤون الدينية مؤخرا الأئمة بالمذهب المالكي فقها وبالمذهب الأشعري عقيدة. وكان ذلك بمقتضى الأمر الحكومي عدد 1228 لسنة 2019، الصادر بالرائد الرسمي يوم 07 جانفي 2020. هذا الأمر لم يخضع لتشاور مع علماء الزيتونة على ما يبدو. فتونس لا تعترف تاريخيا وثقافيا بالمذهب المالكي فقط، رغم تمثيليته الواسعة والغالبة، بل هنالك أيضا إخوتنا الأحناف في الحاضرة خاصة، وإخوتنا الإباظية في جربة خاصة. بطبيعة الحال الناس أحرار في مذاهبهم، ولكن للدولة الحق وفق منطق سياسي معين الحفاظ على مكسب الانسجام المذهبي في تونس خدمة لدوام السلم الأهلي، مع ترك الباب مفتوحا لما تم استيعابه والتعايش معه على مدى قرون (الحنفية والإباظية) رغم انتفاء الأسباب التاريخية السياسية لتبني مذهب كمذهب الأحناف في تونس، الذي كان بدرجة أولى مذهب أصحاب السلطة الأتراك ومواليهم.

اعتماد المذهب المالكي في ما وراء مشروعيته التاريخية-الثقافية مفيد جدا من الناحية الفقهية-التشريعية وفي الإفتاء، لما يتميز به من مرونة وتعدد في مناهج التشريع وفروعه، خاصة المصالح المرسلة واعتبار المقاصد الشرعية في صياغة الأحكام واستنباطها. وقد مثلت المدونة الفقهية المالكية أهم مرجع لقانون نابليون، بعد حملته على مصر في أواخر القرن الثامن عشر إلى السنة الأولى من القرن التاسع عشر. وقد عرف المذهب المالكي تطويرات وتجديدات، لعل أهمها هو ما قام به الشيخ الطاهر ابن عاشور في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”.

لكن المحرج حقا للعقل الإسلامي المجدد، هو التشبث بمذهب في العقيدة يعود ظهوره لأكثر من ألف عام، مع مؤسسه المتكلم (المختص في علم الكلام، أو أصول الدين) أبي الحسن الأشعري (ت. 324 هجري، 936م). فرغم أن لهذا المذهب الفضل المعرفي الابستمولوجي في محاولة التوفيق بين النقل والعقل، والدعوة مع ابن خلدون للكف عن الخوض في الغيبيات، لأنها مما لا يظفر منها العقل بطائل، ورغم ما كان له من فضل في النأي بالدين عن التوظيفات السياسوية، والانسجام مع المزاج والوجدان الإيماني لعامة المسلمين، إلا أن ظهور الفكر الحديث والفلسفات الطارحة للنقد الميتافيزيقي والأنطولوجي، وظهور العلوم الإنسانية، وظهور علم الكلام الجديد، ومحاولات مهمة في بناء فلسفة في التوحيد والاستخلاف، كل هذا يكاد يجعل من التقنين الجديد الصريح للمذهب الأشعري في الديار التونسية، أمرا تكاد تبلغ غرابته درجة الإضحاك والتندر، لما تكتنفه من أغلفة ابستيمية ماضوية، تقاس بالعشر من القرون والألف من السنين. وما يدعو للضحك في الحقيقة هو العقل السياسي الساذج الموظف للعقل الكلامي الساذج، المسكونين حد الإفراط بهاجس المحافظة والاستمرار في سلمية الماضي الأبدي المتوهمة، بينما تجري من تحتهما تحركات ورجات معرفية تكتونية بفضل فتوحات العقل الحديث، التي لا يمكن أن يبقى العقل الملي والمحلي بمنأى عن ارتداداتها.

لذا وجب فتح حوار ثقافي وعلمي وطني تكون الزيتونة والجامعة التونسية ككل من أبرز رعاته، حول هذه المسألة وغيرها من المسائل في إطار البحث الجماعي عن صياغة مشروع وطني ثقافي وسياسي وتنموي.

شاهد أيضاً

العقل الحداثي والمسألة الدينية

مصدق الجليدي  كتب زميلنا وصديقنا الفيلسوف اللامع فتحي المسكيني نصّا مكثفا (تدوينة فايسبوكية) يحدّد فيه …

الإيمان في فلسفة الحضارة

مصدق الجليدي  الغالب مع موضوع الإيمان هو طرحه طرحا لاهوتيا. ويطرح في مقابله الكفر. وبهذا …

اترك رد