fbpx
السبت , 23 يناير 2021

انحطاط في الأثناء… وانحطاط مسترسل…

زبير المولهي

يتحدّث الكثير (خاصّة من المسلمين والعرب) عن أنّ الحضارة الغربية، وخاصّة الأوروبية منها، في طريقها إلى الانحطاط أو الانحدار أو التفسّخ والانحلال… وهذا صحيح ومتوقّع وملاحظ ممّن يتابعون بأدوات علميّة سيرورة الحضارات ويقرؤون تاريخها ويتفكّرون في فلسفة تاريخ الشعوب والحضارات… وهذا أيضا ما ذهب إليه وأكّده الفيلسوف والمفكّر والناقد الفرنسي ميشال أونفري Michel Onfray في كتابه #الانحطاط #Décadence (الناشر Flammarion، باريس، 2017, 652 صفحة) وهو الكتاب الثاني من ثلاثيّته الشهيرة في فلسفة التاريخ التي بدأها بكتابه الأول تحت عنوان #Cosmos# الكون وختمها بكتابه #Sagesse# الحكمة…

Michel Onfray Décadence

لكنّي ما أردت التعريج عليه هنا هو سؤال هؤلاء المستبشرين حدّ النخوة والسعادة التامّة بانحدار الحضارة الغربية نحو التفسّخ والانحلال والاضمحلال، من العرب والمسلمين، عمّ فعلوا وعمّ هيّأوا وعمّ أعدّوا من عُدّة العلم والمعرفة والثقافة والأخلاق والتكنولوجيا وغيرها كي يرثوا هاته الحضارة التي هي في طريقها إلى الاضمحلال والموت البطيء كما فعلت هي عندما كانت تستعدّ لترث حضارة الإسلام وحضارة العرب والمستعربين التي كانت سيدة العالم قبلها ؟!
فحتى نشاط الترجمة والاستبطان والتمكّن من وسائل وأسباب تقدّم هذه الحضارة السائدة إلى يومنا هذا، مازال نشاطا جنينيّا ومبعثرا ومتلكّئا وفوضويّا إلى أبعد الحدود. فلا أموالَ مرصودةً للترجمة ولا سياساتٍ لسانيّةً موحّدةً ولا بحوثًا وقواعدَ بياناتٍ مصطلحيّةً منسّقةً بين الدول العربية والإسلامية، بل ولا مجمعَ لغةٍ عربيةٍ واحدًا وموحّدًا (نجد مجمعا للغة العربية في القاهرة، وآخر في دمشق، وآخر في بغداد، ورابع في الخرطوم، ومكتب تنسيق التعريب في المغرب، وبيت الحكمة في تونس… إلخ… إلخ…)…

ننظر بعين التشفّي وفرحة الحاسد (ولا أقول الغابط)، تشفٍّ في الحضارة الذاهبة للاندحار دون تحريك ساكن في اتّجاه وراثتها ودراسة ما أنتجته من قيَم وتقدّم وعلوم و”الاستحواذ” عليه، ولا حتّى دراسة أسباب ما كان وسيكون سببا في تدهورها وتراجعها وتقهقرها فنعتبر منها ونتّقيها مستقبلا…

الحضارة الغربية إلى زوال (ولو بعد حين) واضمحلال وانحطاط، هذا صحيح، لكنّه انحطاط من القمّة إلى ما دونها، ربّما حتّى إلى الحضيض…
ولكن ماذا عنّا نحن، العرب والمسلمين ؟! إنّنا في انحطاط مسترسل ودائم من سطح الحضيض إلى قاع الحضيض…
ربّما أستثني بعض المجتمعات الإسلاميّة (ولا أقول الدول) من هذا الانحطاط المسترسل إذ أنّنا نجد فيها بعض المؤشّرات الإيجابيّة والدالّة على نهوض وصعود واستعداد للتقدّم والازدهار، مثل المجتمع التركي وبعض المجتمعات الإسلامية الآسيوية كماليزيا وأندنيسيا، من حيث الإسلام السنّي، أو المجتمع الإيراني من حيث الإسلام الشيعي…
أمّا الشعب العربي في كلّ الأقطار العربية فهو للأسف الشديد من انحدار إلى انحدار ومن انحطاط إلى انحطاط ومن تدهور إلى آخر، ذلك أن الأسباب متعدّدة ومختلفة منها ما هو سياسي ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو مجتمعي تركيبي ومنها ما هو اقتصادي ومنها ما هو قيَمي ومنها ما هو حضاري/تاريخي، وليس المجال هنا لدراسة هذه الأسباب فقد يتطلّب هذا جهدا كبيرا ووقتا طويلا ومئات الكتب، لكن هذا هو التشخيص وهذا هو الواقع المرير… للأسف الشديد !

انحطاطهم مرحلي وسمته الشيخوخة… وانحطاطنا متواصل مسترسل وسمته مرض مزمن مُعيق… إن لم نبحث عن الترياق ونعتبر ونأخذ بالأسباب…

شاهد أيضاً

الصراحة والنفاق في السياسة

زبير المولهي  بكلّ لطف، أقول للبعض… إنّ الكثير من الناس لا يحبّون الصراحة… يكرهونها… في …

هل هي مجرّد إشاعة ؟

زبير المولهي  إحساسي الخاصّ أنّ إشاعة “الشروق” ليست مجرّد إشاعة، قد تكون مثلاً بالون اختبار …

اترك رد