fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

معركة “كسر عظام” جديدة وحرب “النفس الطويل”.. بين النّهضة والتيّار الديمقراطي وتحيا تونس.. في صراع تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ.. على وقع “غول” إعادة الإنتخابات..!!!

عبد اللّطيف درباله

الآن وقد أصبح تكليف إلياس الفخفاخ بتكوين الحكومة الجديدة أمرا واقعا.. فقد بدأت من جديدة جولات المفاوضات.. وطبعا الحسابات.. والمناورات..!!
الظّاهر من خلال ما توفّر من معلومات ومؤشّرات.. أنّ الاتّجاه العام لدى إلياس الفخفاخ هو عدم إشراك حزب قلب تونس بالحكومة..!!
ويبدو أنّ من أوصل الفخفاخ للمنصب الرفيع.. وهو أساسا تحالف حزبي تحيا تونس والتيّار الديمقراطي.. وكذلك رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. وجّها رئيس الحكومة المكلّف الفخفاخ إلى إبعاد حزب قلب تونس من المعادلة..!!
وجدير بالإنتباه أنّه حسابيّا.. وباعتبار أنّ كتلة الحزب الدستوري الحرّ أبدت مسبقا رفضها القاطع للتصويت على منح الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ.. وعدد مقاعدها بالبرلمان 17.. فإنّه وباحتساب كتلة النهضة (54 مقعد).. وكتلة قلب تونس (38 مقعد).. يكون المجموع والحالة تلك للأحزاب الثلاثة 109 صوتا بالتمام والكمال.. أي أنّه حتّى ولو صوّتت جميع الكتل الأخرى وكلّ ما تبقّى من نواب بمنح الثقة.. فإنّه حكومة الفخفاخ لن تحصل إلاّ على 108 أصوات.. وهو ما يعني عدم مرورها..!!
هذا إن افترضنا أنّ الإنضباط سيكون مائة بالمائة في الكتلتين..!!

لذا فإنّ حكومة الفخفاخ في حاجة إلى تصويت كتلة كبيرة من إحدى الكتلتين.. وهي إمّا النهضة.. أو قلب تونس..!!
ويبدو أنّ الرئيس قيس سعيّد كان يدرك وهو يكلّف إلياس الفخفاخ.. الذي اقترحه حزبان فقط هما تحيا تونس والتيّار.. بواقع 36 مقعدا فقط بينهما.. بأنّه في حاجة إلى دعم كتلة كبيرة ليحصل على الثقة.. وفي خياره بين النّهضة وقلب تونس.. فإنّ سعيّد اختار النّهضة كما بدا واضحا.. ناهيك وأنّ راشد الغنّوشي رئيس حزب حركة النّهضة كان الوحيد الذي استقبله رئيس الجمهوريّة في اليوم الأخير من المهلة الستوريّة يوم الإثنين 20 جانفي لاستشارته في الموضوع.. دونا عن باقي رؤساء الأحزاب..!!
كما أنّه وتزامنا مع إنطلاق المفاوضات والمشاورات.. اليوم الخميس 23 جانفي.. بين رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ.. وبين سائر الأحزاب السياسيّة الممثّلة بالبرلمان.. لوحظ بأنّ برنامج مقابلات اليوم الأوّل ضمّ النّهضة والتيّار وحركة الشعب وأحزاب أخرى منها من يملك فقط أقلّ من أربع مقاعد بالبرلمان مثل البديل والإتّحاد الشعبي الجمهوري.. لكن غاب عنه نبيل القروي الذي يملك حزبه ثاني كتلة بالبرلمان..!!

رئيس حركة النّهضة كان أبدى في البداية لرئيس الجمهوريّة تحفّظه حول اختيار إلياس الفخفاخ.. ليس تماما في ما يخصّ الشخص نفسه.. ولكن في ما يخصّ الخيار عموما.. باعتبار أنّ هياكل حزبه لم ترشّحه.. وباعتبار أنّ داعميه الذين اقترحوه هم قلّة بالمجلس..
لكنّ راشد الغنّوشي والنّهضة.. سرعان ما أدركا بأنّ تحالفا خفيّا بين التيّار الديمقراطي وتحيا تونس.. هو الذي أوصل إلياس الفخفاخ إلى الفوز بتكليف رئيس الجمهوريّة له بتكوين الحكومة.. بطريقة غير متوقّعة..!!
عند هذا الحدّ..
وباعتبار ما سبق من مفاوضات شاقّة مع التيّار الديمقراطي في مرحلة الحبيب الجملي.. وفشلها أخيرا رغم حصول التيّار على كلّ ما طلبه تقريبا..!!
وباعتبار كلّ ما فلعه حزب تحيا تونس لإفشال نيل حكومة الحبيب الجملي الثّقة.. بما في ذلك اللّقاء المفاجئ بين يوسف الشاهد ونبيل القروي بعد الصّراع والحرب والقطيعة بينهما..!!
فإنّ النهضة أدركت أنّ تعمّد إسقاط الحكومة السّابقة التي حظيت الحركة بحقّ تكوينها دستوريّا باعتبارها صاحبة المرتبة الأولى.. كان الغرض الأساسي منه هو إسقاط حقّ النهضة في تكوين وقيادة تشكيل الحكومة.. وإفقادها صفة الحزب الحاكم.. وإرجاعها إلى الفرضيّة الثانية من الفصل 89 من الدّستور التونسي.. أي إلى تعيين رئيس الجمهوريّة لرئيس حكومة جديد مكلّف.. بحيث تصبح النّهضة على قدم المساواة مع بقيّة الأحزاب الأخرى.. ومجرّد طرف في الحكومة.. مثلها مثلهم..!!

بالتوازي مع ذلك.. كان الإنقلاب المفاجئ على حركة النّهضة من حزب قلب تونس قبيل يوم التّصويت على حكومة الحبيب الجملي.. والإعلان الصّادم عن جبهة سياسيّة جديدة تضمّ حزب القروي مع حزب الشاهد وكتل أخرى يفوق عدد مقاعدها السبعين.. مرشّحة للزيادة..!!
وتزامن ذلك مع إعلان حزب عبير موسي بدأ محاولة لعزل راشد الغنّوشي من رئاسة مجلس النواب..!!
كانت كلّها عوامل دقّت نواقيس الخطر لدى النّهضة.. وجعلتها تتحسّب من تصاعد محاصرتها.. وعزلها..!
لذا فإنّ بعث حكومة جديدة بقيادة إلياس الفخفاخ.. وبإدارة خفيّة.. لكنّها معروفة.. لمسار تشكيل تلك الحكومة من طرف ثنائي تحيا تونس والتيّار الديمقراطي..
كلّها جعلت النّهضة ترى في فرض وجود حزب قلب تونس في الحكومة خيارا استراتيجيّا مفيدا.. وضروريّا لمصلحتها..!!

وذلك لسببين رئيسيّين:

أوّلا.. لمحاصرة النّهضة للتيّار ولتحيا تونس..
فإذا ما كان الحزبان قد فرضا تعيين مرشّحهما الفخفاخ لرئاسة الحكومة.. واعتبارهما بأنّهما في موقع قوّة الآن.. فإنّه سيكون من المفيد في نظر الحركة.. أن تتحالف مع قلب تونس.. فتدخل بذلك المفاوضات بثقل من يملك كتلة توزاي ثلاثة أضعاف كتلة التيّار وتحيا تونس معا.. ممّا يغيّر في رأيها موازين القوى تماما..!!

ثانيا.. لقطع الطريق على تكوين جبهة معارضة اقصائيّة قويّة..
لكون ترك النّهضة لحزب قلب تونس في المعارضة.. والموافقة على إقصائه.. وبالتالي تموقعه في الشقّ المقابل.. سيجعل الحزب ينضمّ إلى حزب عبير موسي المنادي باستئصال النهضة.. بحيث تكوّن كتلتيهما ثقلا بحوالي 55 مقعدا.. وقد تنضمّ إليهما كتلا أو جماعات أخرى بالبرلمان.. تهدّد بأن يمتلكوا جميعا والحالة تلك.. الثلث المعطّل بالمجلس (72 مقعدا).. بحيث لا يمكن أن يقع تمرير جميع القوانين أو القرارات المهمّة التي يشترط فيها التصويت بأغلبيّة الثلثين.. مثل تنقيح الدستور.. وتعيين أعضاء المحكمة الدستوريّة.. وتعيين أعضاء سائر الهيئات الدستوريّة وسدّ الشغور فيها.. وغيره.. دون موافقة المعارضة..!!

تماشيا مع ذلك الاتّجاه.. التقى زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي يوم الأربعاء.. رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي.. للتنسيق بينهما.. والدّفع لاستراتيجيّة تفاوض مشتركة..
وكان تصريح راشد الغنّوشي للإعلام مباشرة إثر لقائه الأوّل بالياس الفخفاخ مع انطلاق المشاورات في دار الضيافة.. متناغما مع ذلك التوجّه.. إذ دعى لعدم إقصاء أيّ طرف عن الحكومة..
هذا الخيار.. لا يحظى في الواقع بموافقة كلّ أطياف وأجنحة حركة النّهضة..!!
إذ يرى البعض داخل الحركة بأنّه لا يجب أن يقع إقحام حزب نبيل القروي في الحكومة.. وأنّ الفرصة سنحت لإعادة تشكيل حكومة تجمع الأحزاب المحسوبة على الخطّ الثّوري.. دون نبيل القروي.. ولو بمشاركة يوسف الشاهد..

في المقابل.. فإنّ البعض الآخر.. من داخل النّهضة.. ومن خارجها.. يشكّكون في أهداف تلك النزعة الإقصائيّة.. وفي “الطهوريّة” المزعومة حسب رأيهم لحكومة خالية من حزب نبيل القروي.. لكنّها مفتوحة على حزب يوسف الشاهد..!!!
ويرون أنّ شبهات فساد الشاهد قد تفوق شبهات فساد القروي نفسه.. لو تمّ أخذ “شبهات الفساد” كمعيار للمشاركة في الحكومة من عدمه..!!
بل أنّ البعض يعتبر بأنّه من المدهش والغريب أن يبادر التيّار الديمقراطي وزعيمه محمّد عبّو بالتحالف مع يوسف الشاهد.. رئيس الحكومة الذي طالما وصف هو وقيادات حزبه حكومته بالمافيا وبالفساد بكلّ أوجهه.. طيلة ثلاث سنوات..!!!
نفس الشاهد هذا الذي يواجه وهو في منصبه 17 قضيّة فساد.. منها قضيّتين اثنتين رفعتهما ضدّه منظّمة “أنا يقظ” نفسها.. التي كانت سببا في إيقاف نبيل القروي بالسّجن بسبب ملفّ الدعوى التي حرّكتها ضدّه..!!
والحال أنّ القروي لا يواجه اليوم إلاّ قضيّة واحدة بالمقارنة بالشاهد..!!
وهو ما يحيل في نظر كثير من الملاحظين والمحلّلين أسباب إقصاء حزب نبيل القروي إلى أسباب سياسيّة أخرى بحتة.. لا علاقة لها بتعلّة شبهات الفساد التي يواجهها بقوّة يوسف الشاهد نفسه..
ويرجعون السبب الأصلي والوحيد إلى أهداف الشاهد الذي يحارب نبيل القروي.. لخلافات شخصيّة وسياسويّة.. وباعتباره أكثر حظوظا منه في أيّ انتخابات حسب لغة الأرقام..!!
وذلك رغم ما ظهر من إمكانيّة التصالح بينهما عشيّة إسقاط حكومة الحبيب الجملي.. والتي أدار بعدها الشاهد ظهره للقروي من جديد..!!!

في حسابات إلياس الفخفاخ وتحيا تونس والتيّار الديمقراطي أنّ النّهضة ستناور ما أمكن لها.. وستضغط.. وستحاول.. ولكنّها ستخضع أخيرا للأمر الواقع.. وترضى بما ستحصل عليه منهم.. لكونها لا ترغب في إعادة الإنتخابات.. خاصّة وأنّه لا أحد من نوابها حاليّا سيكون على يقين بضمان إعادة حصوله على مقعده في الإنتخابات القادمة..!!
بل أنّ راشد الغنّوشي نفسه قد لا يعود أبدا إلى منصب رئيس مجلس نواب الشعب.. لو أعيدت الإنتخابات.. فلا شيء مضمون..!!!
في المقابل.. فإنّ في حسابات حركة النّهضة.. فلو كان من الوارد أنّ حزب تحيا تونس قد يكون ذو مصلحة في إعادة الإنتخابات.. باعتبار عدد مقاعده في البرلمان محدود جدّا حاليّا.. وقد لا يكون لديه ما يخسره من محاولة ثانية.. علّه يتدارك ويفوز بنصيب أكبر.. فإنّ التيّار الديمقراطي خصوصا.. قد لا يكون راغبا بإعادة الإنتخابات.. لأنّه هو أيضا بدوره لا أحد من نوابه حاليّا سيكون على يقين بضمان إعادة حصوله على مقعده في الإنتخابات القادمة..!!
كما أنّ إلياس الفخفاخ نفسه.. الذي فاز بدون استحقاق وبشكل مفاجئ وغير منتظر.. بمنصب عمره.. بتكليفه برئاسة الحكومة.. بعد خسارة مهينة في الإنتخابات الرئاسيّة السابقة (0.3 بالمائة).. وفي الإنتخابات التشريعيّة (0 مقاعد).. قد لا يكون شخصيّا على إستعداد أبدا لإضاعة الفرصة التاريخيّة في السّلطة التي يصعب أن تتكرّر له في بقيّة حياته..!!!
ولا شكّ أنّ التجربة المريرة والمحبطة للحبيب الجملي الذي وصل إلى مشارف المنصب ولم يفز به.. ستكون ماثلة بشدّة أمام إلياس الفخفاخ.. وقد تجعله يقدّم.. في آخر لحظة.. التنازلات المطلوبة للنهضة أو لقلب تونس.. فقط للحفاظ على منصبه.. وضمان دخوله قصر القصبة.. ولو خلافا لرغبات من أتى به لمنصب حاكم تونس..!!!

المعركة الحكوميّة الجديدة.. ستكون ليس فقط معركة “كسر عظام”.. وإنّما ستكون أساسا معركة “النفس الطويل”.. بين الفرقاء السياسيّين.. الذين سيضطرّون على مضض إلى محاولة التعايش في حكومة مشتركة.. إن قدّر لها أن تتكوّن..!!
وسيكون الفائز منهما.. من يستطيع أن يقاوم لآخر رمق.. الإستسلام لابتزاز خطر إعادة الإنتخابات وخسارة المناصب..!!!

شاهد أيضاً

تعديل وزاري في تونس بطعم الاستقرار

نور الدين العلوي  أعلن رئيس الحكومة التونسي (السيد المشيشي) عشية السبت (16 كانون الثاني/ يناير …

في انتظار تحويل الثورة إلى ثروة..!! 14 جانفي 2011 – 14 جانفي 2021

عبد اللّطيف درباله  بن علي “فهم الجميع” في تونس.. وأذياله لم يفهموا شيئا بعد عشر …

اترك رد