fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

فرصة أخرى تضيع على الثورة

سامي براهم

بعد أن صرّح رئيس النهضة في افتتاح مؤتمر شباب النهضة بالجامعة أنّ النّهضة رشّحت نهضويين من داخلها ومن خارجها “رشّحت من الفصيل الذي رشحته الأحزاب الدستورية” تتوضّح خيارات النّهضة السياسيّة، مرّة أخرى تختار تقع في اختبار الإكراهات وتحمّل البلد وزر هذه الإكراهات.

ليس لدينا موقف عقائديّ أو أيديولوجيّ أو ضغينة تجاه التيّار الدّستوري التّاريخي الذي كان جزء من حركة التّحرير الوطني وبناء دولة الاستقلال رغم أخطائه الجسيمة، لكن لدينا موقف من حاضر هذا التيّار المشتّت الذي لم يجرؤ رموزه على تقديم نقدهم الذّاتي ومراجعاتهم والقيام بحركة تصحيحيّة، بل لا يزال خطابهم إنكاريّا للثّورة وما أدّى إليها من سياسات ظالمة وانتهاكات جسيمة في الزّمن الذي كانوا يمسكون فيه بالدولة ويحتكرون إدارة الشّأن العامّ ويتحكّمون في مصائر الشّعب.

وفّرت الثّورة لهذا التيّار فرصة ذهبيّة للمراجعة وإصلاح ما أفسده طيلة عقود عندما تقلّدوا مناصب الرّئاسات الثلاث وكلّ الصلاحيات التنفيذيّة لكنّهم انخرطوا في الصّراعات الدّاخليّة والانشقاقات والانقسامات والتنافس على اقتسام منافع السّلطة على حساب المصلحة العامّة والتّواطؤ مع الفساد والفاسدين ولم نر منهم أيّ قابليّة لخدمة البلد وتقديم مصلحة المحرومين من التنمية على مصالحهم الخاصّة،

لذلك نرى من النّاحية المبدئيّة الشّراكة مع هذا التيّار الهلامي خطأ جسيما يزيد مسار الانتقال الدّيمقراطي تعثّرا،

ما الذي يدفع النّهضة من جديد لهذا الخيار الذي خبرت نتائجه سابقا ؟ هل هو الالتقاء الموضوعي الطبيعي الذي ينسبه خصومهم لهم حيث يشتركان في نفس الرؤية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة ؟ أم هو الهاجس التقليدي القائم على الخوف من الاستئصال والعزل وتهديد الوجود ؟ أم يتعلّق الأمر بخلل في التيّار المحسوب على الثّورة أو على الأقلّ من كانوا شركاء النّضال ضدّ وما عليه من تشتّت وفقدان للثّقة المتبادلة والمشترك الوطني والسياسي ؟

بعيدا عن الأجوبة الجاهزة وذات الخلفيات الأيديولوجية نعمد إلى الوصف الملموس للواقع الملموس حيث فشلت كلّ محاولات جمع العائلات الفكريّة والسياسيّة المكوّنة للمعارضة التّونسيّة على امتداد سنوات الاستبداد باستثناء لحظة 18 أكتوبر التي كانت استثناءً عابرا، عقبها لحظة أخرى بعد الثّورة زمن الترويكا، لكن الغالب في العلاقة هو صراع الوجود والتنافي.

كانت الاغتيالات السياسيّة وتصاعد موجة الإرهاب فرصة مواتية لحسم ملفّ النّهضة بشكل نهائيّ من خلال التّحالف مع كلّ خصوم النّهضة والمنظومة القديمة في جبهة أطلق عليها اسم الإنقاذ كان برنامجها الصّريح والمعلن إخراج النهضة من الحياة السياسيّة ومحاكمة قياداتها، كان لقاء باريس بين الشيخين بمثابة قطع طريق على ذلك الخيار الانقلابي وحسم الأمر على نحو توافقي “الدّستور مقابل مغادرة الحكومة” ممّا فتح الباب لحكومة تكنوقراط وانتخابات أفرزت مشهدا سياسيّا كرّس الشراكة بين الفائز الأوَل والثّاني “النّداء النّهضة” وكان الخاسر الأبرز فيها خصوم النّهضة.

تتكرّر نفس الصّورة ولكن بشكل أكثر تعبيرا حيث تمنح سياقات المشهد البرلماني للنهضة حقّ تشكيل الحكومة وتصيف فرصة تشكيل حكومة تصحّح مسار الانتقال الدّيمقراطي وتعيد للصفّ الثّوري حضوره ودوره المتقدّم، لكن لحظة جبهة الانقاذ تتكرّر حيث يلتقي كلّ خصوم النهضة مع أحزاب المنظومة القديمة المتناسلة عن النّداء لإفشال تشكيل الحكومة ثمّ إسقاطها بعد تشكيلها من مستقلّين في تحالف واضح لكلّ مكونات البرلمان في مقابل النّهضة والتعبيرة الجديدة “ائتلاف الكرامة” التي شكّلت حالة إرباك للمشهد وعامل تشويش لسياسة الاستفراد بالنهضة.

عاد أمر تعيين المكلّف الجديد بتشكيل الحكومة لرئيس الدّولة في سياق ترهيب النّهضة من سحب الثّقة من رئيسها في ترؤس البرلمان وتعطيل عمل المجلس وفي سياق محاولات ترهيب رئيس الدّولة وفرض أمر واقع من خلال الندوة الصحفية التي عقبت إسقاط الحكومة والتي حضرتها أغلب الكتل والأحزاب بما في ذلك حزب الشّعب حلف الكتلة الديمقراطيّة، وتلاها لاحقا ما أعلن عنه التيّار الديمقراطي من تنازل عن سقف شروطه وتفويض مكتبه السياسي للنظر في إمكانية المشاركة في حكومة مع قلب تونس الحزب الذي يترأسه متّهم بالفساد لدى القضاء.

مشهد هشّ تخرج فيه التعبيرات السياسيّة التي تمثّل مصالح المنظومة القديمة أو بعض أجنحتها ولوبيات الفساد في كلّ مرّة من عزلتها بفضل خصوم النّهضة في إطار ترتيب للأولويّات غير قائم على رؤية وطنيّة، وتخرج النّهضة من الفخاخ التي وضعت في طريقها بالالتقاء مجدّدا مع من أسماهم رئيس النهضة بالتيّار الدّستوري وهو في الواقع مجرّد لوبيات وأصحاب مصالح تتخفّى وراء العنوان الدّستوري واللافتة المضلّلة “العائلة الوسطيّة الحداثيّة”.

مرّة أخرى يخرب الثّوريّون الهواة بيوتهم بأيديهم ويعطّلوا مسار الانتقال الديمقراطي ويضيّعوا على الشّعب فرصة لتسريع نسق تحقيق أهداف الثّورة لأنّهم مصابون بضعف الحسّ الوطني والعمى الاستراتيجي.

شاهد أيضاً

الثورة متواصلة ولن تبدأ من جديد …

سامي براهم  قامت الثورة ذات 14/17 لانعدام أيّ سبيل لتغيير فاصلة صغيرة في منظومة الاستبداد… …

السوسيولوجي والأمني… وإعلام المرافقة الأمنيّة…

سامي براهم  عندما كنت أستضاف في بعض وسائل الإعلام أو يطلب منّي التّصريح برأي حول …

اترك رد