fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

جزيرة جربة التونسية: هذا حصاد انعدام الضمير والاستهتار بأمن الناس وسلامتهم

بشير العبيدي

#أقولها_وأمضي

حين يمرّ أحدنا بسيارته عبر حاجز للدفع، فيدفع ثمن العبور إلى مركبة بحريّة، حيث يُتوقّع أن يتمّ كل ذلك تحت نظر ورعاية رقيب، واحترام إجراءات صارمة لأمن وسلامة البشر والأرزاق والبيئة، فيتقدّم أمتار معدودة فقط، قبل أن يجد نفسه بغتة في جرف هار، لأن المركبة غادرت السّاحل وأبحرت، وبقي المعبر مفتوحاً للسيارات، فتغرق السيارة وعلى متنها أسرة كاملة، فيؤدي ذلك إلى أن تتحطّم حياة بأكملها، وتتيتّم أسر بمجملها، وتتعطّل مصالح وروابط وعلاقات ووشائج، وتذهب مشاريع أدراج الرياح، فهذا ما يعنيه عمليا الاستهتار بأمن الناس وسلامتهم، والاكتفاء بتسجيل ذلك على حساب “القضاء والقدر”، مع مواصلة السلوك نفسه كأن شيئاً لم يكن.

نعم نؤمن ونتشرف بالقضاء والقدر، خيره وشرّه. نعم، نؤمن ونعترف أنه ما “أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك”. لكن مع هذا الإيمان الراسخ، ينبغي الكفر بالاستهتار بالبشر وينبغي التمرّد على منطق الإهمال والتبرير الرخيص.

وحين تنتشر رواية سخيفة تستجدي عواطف النّاس وتحجب عنهم تفاصيل ما حصل، وتدّعي أن أحد ركّاب السيّارة نزل يشتري قهوة، فنجّاه الله، فتلك رواية موضوعة لأجل التخفيف من المصاب الجلل، تحت عنوان استدرار التعجّب من “قدر الله الذي نجى أحد الركاب لأن أجله لم يحن بعد”، وكأن الموت الذي حلّ بوالدة الراكب الناجي وأخيها هو موت “طبيعي”، لأنّه قضاء وقدر، وكان لا بدّ أن تغرق سيّارة هذه الأسرة البريئة. ولماذا لا يكون قضاء الله وقدره أيضا في منع غرق السيارة، باحترام إجراءات محددة، تحمي أرواح البشر وتراعي أمنهم وسلامتهم؟ أم أننا نضع القضاء والقدر على المصيبة والكارثة، لكي نغطي على القصور والرداءة وتضييع الواجب والتنصل من المسؤولية؟

هذا ما حصل في فاجعة غرق سيارة أسرة من أعرق وأنبل وأفضل من أنجبت تونس، كانت تغادر جزيرة جربة التونسية، على متن العبّارة البحرية، قبل أيام قليلة، مخلّفا مرارة وألما وحسرة، بسبب غياب أدنى إجراءات السلامة في معبر رئيس، ومرفق عمومي يستعمله مئات الألوف من الناس، لزيارة أهاليهم أو للسياحة. وماذا لو أن السيارة التي غرقت كانت تحمل سوّاحا أجانب من أوروبا أو أمريكا؟ ماذا كان يكون تصرف السلطات المحلية والولائية والوطنية؟ وماذا لو حصل ذلك واحتجّت الدول القويّة التي تحمي مواطنيها، بسبب غياب السلامة في العبّارة والمعبر، أكان المسؤولون يتصرّفون كما تصرّفوا مع الضحايا التونسيين؟ أكان وزير التجهيز وكل وزير له علاقة بالحادث الأليم يصمت صمتا مريبا؟

وماذا لو علم الناس بحقّ أن المهندس فوزي بن عبد الله، الذي نجّاه الله من الفاجعة، ووالدته الشاذلية وخاله الطاهر عاشور اللذان توفاهما الله في الحادث، هم جميعا من أكرم وأعزّ وأفضل من أنجبتهم تونس في هذا الجيل، ولا نزكي على الله أحدا، فقد عرفتهم شخصيا وجاورت المهندس فوزي – الذي نجاه الله – سنين في باريس.

وكيف لو أن أحدنا شاهد بأم عينيه والدته وخاله يغرقان في السيارة ويودعان الحياة في موقف لا يتمناه أحد لأحد؟ وكيف لو علم الناس أن المهندس فوزي بن عبد الله استطاع أن يفتح باب السيارة الغارقة في البحر من جهة المقعد الخلفي، وحاول -عبثا – أن ينقذ والدته، وهو يسبح في الماء، فغلبه ضغط الماء الهائل، وانغمست السيارة في الماء، حتى حضر الأجل، وغرغرت الأم، وأشارت الأم لولدها أن انصرف، وهي مع أخيها تغرق في هدوء عجيب عظيم، يتحدى فزع الموت وفقدان الصواب. فمن بربّكم يتخيّل الموقف، وهو يرى أمّه وخاله يمضيان إلى غير رجعة، بعد حياة حافلة بالعطاء والنضال والعمل، يتقرّبون في ذلك إلى الله، بخدمة الوطن والشعب؟

هذه هي الثلّة النادرة التي وقعت ضحية الإهمال وقلة المعروف وفقدان الحس بالمسؤولية. لقد تحققتُ من جميع التفاصيل قبل كتابة هذه الأسطر، وما حزّ في نفسي أكثر، هو تجاهل من طرف المسؤولين على كل المستويات، واستخفافهم بما وقع، وما كانوا ليتصرّفوا بهذا السلوك لو كان الضحايا من الأجانب. ولكن لا نبي في قومه. لقد أخبرني المهندس فوزي بن عبد الله أنه ظلّ يقاوم الماء بمفرده، ولم يفزع أحد إطلاقا لنجدته، وخرج بمفرده من الماء، ومرّت قائق طويلة كأنها دهر، ولم يكن بالمكان أحد، ولا رقيب، ولا مجيب، ولا توجد عوّامات النجدة، ولا أحد ممن يساعد أو يفعل شيئا. حتى الذين انتبهوا للحادث كانوا على متن العبارة التي ابتعدت عن الساحل بأمتار، وهم الذين نبّهوا قائد العبارة.

ولم يكن السائق، وهو المهندس طاهر عاشور، ممن يعاني من مشكلة نظر بتاتا، لقد كان يجوب العالم أجمع ويتنقل في أرجاء تونس، سليما معافى. لكن الضوء الخلفي للعبّارة المغادرة كان قويا إلى درجة تعشي العيون، فغطّت تماما الرؤية خلفها، فما كان ليرى أنها غادرت، خصوصا في فترة الفجر والعتمة، وما كان يوجد بالمكان من يرفع السقالة لمنع السيارات من العبور بعد أن غادرت العبّارة الساحل، ولا يوجد أي شيء من شأنه أن ينجد من يغرق… فاجتمعت كل هذه العوامل لكي تجعل من الكارثة أمراً واقعاً. وهي بالتأكيد كارثة كان يمكن تلافيها لو توقف بيع التذاكر بمجرد مغادرة العبارة، وغلق المعبر قبل المغادرة، وتسليط الضوء الأحمر على المكان في العتمة، وتجهيز المعبر بوسائل النجدة عند الحاجة.

ومما يشعر الإنسان بالغبن، غياب المرافق في حدها الأدنى، في دولة ينخرها الفساد. ذلك أنه حين خرج المهندس فوزي بن عبد الله من الماء، وذهب عند مخفر الحرس الوطني، بقي بثيابه المبلّلة بالماء، والحال شتاء وبرد، ولا يوجد في المخفر تسخين، ولا أي شيء يمكنه أن يسعف الرجل، وهو يرتعش من البرد، وفق هذا مصدوم بموت والدته. أين الذين سرقوا من أموال الدولة مليارات المليارات، وهم كل مساء يتديّكون علينا في الشاشات والإذاعات؟ أليس من حقنا أن نطالب بأن يكون من حق الناس أن يستعيدوا أموالا منهوبة انتفع بها السراق، فتوضع في مكانها، لتحديث وترقية المرافق وتوفير الإمكانيات لأجهزة الدولة؟
لماذا لا يقع كلّ هذا؟ إنه سلوك الرداءة والتسيّب، ومنطق الإهمال، وقلة الشعور بالمسؤولية، وكلّ ذلك ناتج عن غياب الضمير، وترهّل الحس الإنساني الحقيقي.

كم تكلّف هذه الوسائل؟ إنها – على الأرجح – لا تكلّف أكثر من كلفة بضعة أشهر من أجرة طاهر عاشور، المهندس العالمي الكبير، الذي فقدته تونس في الحادثة الأليمة، وستضطر تونس لدفع مئات الأضعاف لتكوين وتدريب مهندس آخر في مستواه.

لم ينج المهندس فوزي بن عبد الله لأنه ذهب لشراء قهوة كما زعموا، بل ذهبت كرامة المواطن تستجدي الضمير الميّت. هذا حصاد الاستهتار بأمن الناس وسلامتهم. وكل ما نرجوه الآن أن تفضي التحقيقات إلى حساب المسؤولين عن ذلك، وتدبير الأمن والسلامة وتجهيز جزيرة جربة بكل المرافق التي هي جديرة بها وبهذه الأرض الطيبة الكريمة التي يطيب فيها العيش ويقصدها الناس من كل حدب وصوب.

✍🏽 #بشير_العبيدي | باريس، جمادى الأولى 1441 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تصْنَعُ أمَلًا

شاهد أيضاً

وداعاً … بنت عمي! محرزية العبيدي

بشير العبيدي  #رقصةاليراع #محرزيةالعبيدي سيدة عظيمة من سيدات تونس والوطن العربي، غادرت عالمنا هذا اليوم، …

أريج السعتر… على طريق المدرسة

بشير العبيدي  #رقصة_اليراع أشقُّ البرارَ والبحارَ مهاجراً، ثمّ أعودُ لمرفع رأسي – بين الفترة والفترة. …

اترك رد