fbpx
الأحد , 17 يناير 2021

هوامش على “كتاب المشاورة” لقيس سعيد

عبد السلام الككلي – علي الجوابي

انتهت يوم أمس الخميس 16 جانفي 2020 المهلة التي منحها الرئيس للأحزاب والكتل البرلمانية لتقديم مرشحين عنها لمن تعتبره الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة والتي على أساسها سيختار الرئيس هذه الشخصية إذا ما تقيد باقتراحات الأحزاب والكتل.

نلاحظ أول الأمر أنه في المرحلة الدّستورية الأولى الممتدة على شهرين لموجب الفصل 89 من الدستور ليس لرئيس الجمهورية حرية اختيار الشخصية المرشحة لتشكيل الحكومة وإنما يقتصر دوره على تكليف الشخصية التي يرشّحها الحزب أو الائتلاف الانتخابي الفائز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان لهذا المنصب. لكن في المهلة الدستورية الثانية الممتدة على شهر واحد تمنحه الفقرة الثالثة من الفصل 89 المذكور صلاحية أوسع تتمثّل بالأساس اوّلا في إجراء مشاورات مدّة عشرة أيّام مع الأحزاب والائتلافات والكتل وثانيا وبناء على تلك المشاورات اختيار الشخصية التي يراها الأقدر لمنصب رئيس الحكومة فيكلّفها بتكوين الحكومة في أجل لا يتجاوز الشهر.

1. اجراء المشاورات

لم تعرّف الفقرة الثالثة من الفصل 89 شكل المشاورات ولم تبيّن بوضوح بداية عدّ أجل العشرة أيام التي تجري خلالها المشاورات واقتصرت على تعريف الجهات التي يتشاور معها رئيس الجمهورية في شأن تكليف الشخصية الأقدر على تكوين الحكومة.

أ. بداية عدّ أجل العشرة أيّام

يقوم رئيس الجمهورية دستوريا بالمشاورات على معنى الفقرة الثالثة من الفصل 89 في حالتين تتمثّل الأولى في مرور شهرين بمعنى ستين يوما من تاريخ تكليفه دون أن يتمكّن »رئيس الحكومة المكلّف» من تكوين الحكومة فيبدأ رئيس الجمهورية المشاورات في اليوم 61 من تاريخ التكليف أما اذا أعلن رئيس الحكومة المكلّف رسميا في اليوم السّتين عن الفريق الحكومي الذي يقترحه فلا يعتبر ما تبقى من الإجراءات مثل إعلام المجلس بتشكيل الحكومة وطلب انعقاد جلسة لمنحها الثقة وتحديد موعد جلسة منح الثقة من قبل مكتب المجلس ثم انعقاد هذه الجلسة داخلا في الأجل.

وتتمثّل الحالة الثانية في فشل »رئيس الحكومة المكلّف« في الحصول على ثقة البرلمان وهو الفشل الذي تعرض له الحبيب الجملي… فمتى يبدأ رئيس الجمهورية المشاورات: هل من تاريخ يوم تصويت البرلمان برفض منح الثقة للحكومة التي اقترحها رئيس الحكومة المكلّف؟ أم من تاريخ آخر؟

تختلف الأجوبة بتعدّد القراءات لنصّ الفقرة الثالثة من الفصل 89 فقد أفاد الأستاذ القانون رافع بن عاشور خلال حوار معه في اذاعة «موزاييك» أن بداية عدّ أجل العشرة أيام هو اليوم الموالي لتصويت البرلمان برفض منح الثقة أي يوم السبت 11 جانفي 2020 مادامت حكومة الحبيب الجملي لم تحظ يوم 10 جانفي 2020 بثقة المجلس مجلس نواب الشعب.

وصرّح الأستاذ جوهر بن مبارك خلال حضوره برنامجا حواريا في قناة حنّبعل أنّ بداية عدّ ذلك الأجل هو يوم الاثنين 13 جانفي 2020 بحجّة أنّ يومي السبت والأحد هما يوما عطلة فلا يدخلان في العدّ.

من جهتنا نعتقد أن عدّ الأجل يبتدئ يوم السبت 11 جانفي 2020.

فقد وقع الإعلام يوم السبت وبالضبط عشرون دقيقة بعد منتصف ليلة الجمعة السبت ولا نرى أن مصالح رئاسة الجمهورية يمكن أن تعد مصالح إدارية تخضع إلى منطق التوقيت الإداري الذي يسري على المصالح الإدارية التي تقدم خدماتها للعموم وإلا لما جاز أن تتسلم أي مكتوب في منتصف الليل في مكتب الضبط وتضع عليه ما يفيد الإعلام بالبلوغ وهو ما يعني أن نهاية الأجل ستكون يوم الاثنين 20 جانفي.

ب. شكل المشاورات

تحدّثت الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور دون تحديد عن المشاورات ولم تعطها شكلا معينا بما يعطي رئيس الجمهورية مجالا أوسع للاجتهاد واختيار كيفية إجراء المشاورات.

• مشاورات شفاهية

اتبع الرئيس الباجي قايد السبسي مشاورات شفاهية أخذت شكل اجتماعات مع من دعاهم للتشاور معه في شأن تكليف الشخصية الأقدر خلفا لحبيب الصيد الذي لم يجدد البرلمان الثقة في الحكومة التي كان يرأسها فاجتمع بهم ثمّ أعلمهم بقراره المتمثّل في تكليف يوسف الشاهد بتكوين الحكومة.

• مشاورات كتابية

اختار رئيس الجمهورية قيس سعيد شكل مشاورات كتابية تترك أثرا كتابيا لمواقف الذين يتشاور معهم فقد راسل الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية كتابيا يوم 14 جانفي فدعاهم إلى تقديم مقترحاتهم مكتوبة حول الشّخصيّة أو الشّخصيات التي يرتؤون أنّها الأقدر على تكوين حكومة، وطلب منهم بيان دواعي الاختيار والمعايير الّتي اعتمدوها وحدد لهم أجلا لا يتجاوز يوم الخميس 16 من شهر جانفي الجاري.

وذكّرهم انّ الحرص على تقديم مقترحاتهم في أسرع الأوقات يتيح مدّة كافية لمزيد تعميق المشاورات في احترام كامل للمدّة الّتي تنصّ عليها الفقرة الثالثة من الفصل التاسع والثمانين من الدّستور.

اضطرّت رئاسة الجمهورية إلى التأكيد على الاستشارة الكتابية وتعميمها بين المعنيين بها دون استثناء والى بيان سبب اختيارها فقد اجتمع رئيس الجمهورية يوم الأربعاء 15/01/2020 بيوسف الشاهد الموصوف «برئيس الحكومة المكلّف بتصريف الأعمال وأوضحت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية أنهما تناولا «عددا من المواضيع ذات العلاقة بالوضعين الأمني والمالي بالبلاد ومسألة سير عدد من المرافق العمومية وأشارت الصفحة الى انّ اللقاء ليس له علاقة بالمشاورات المرتبطة بتقديم مترشح لتكوين الحكومة، فقد آثر رئيس الجمهورية أن تكون المقترحات مكتوبة، وهو متمسك بتطبيق الدستور وأيضا بالنهج الذي اختاره بخصوص التعامل مع الجميع على قدم المساواة.

وفي السياق ذاته أصدرت رئاسة الجمهورية يوم الخميس 16 جانفي 2020 بيانا وضّحت سبب اختيار أسلوب الكتابة في المشاورات جاء فيه أن المشاورات إجراء ضروري وأنّ الدستور لم يحدد في المقابل شكل هذا الإجراء «فكما يمكن أن تكون المشاورات مباشرة يمكن أن تكون مكتوبة والكتابة في ظل الوضع الحالي الذي تعيشه تونس أفضل بكثير من المشاورات المباشرة التي قد تمتد ولكن دون جدوى».

ويبدو من بيان رئاسة الجمهورية التوضيحي أن الدعوة إلى تقديم المقترحات كتابة تمثلّ مرحلة أولى من المشاورات التي لم يتحدد شكلها الموالي فقد جاء فيه «وهذه المرحلة من المشاورات يمكن أن تكون مقدمة لمزيد التشاور في الآجال التي حددها الدستور، فهي المبتدأ قبل الاختيار وقبل الخبر«.

ومن الواضح ان رئيس الجمهورية قد تقيد بالإعلام الكتابي دون ان يكون ذلك شرطا دستوريا مع ذكر البيانات الدستورية والإحالة عليها وضبط المدة الدستورية المخصصة للتشاور وتسمية الجهات المعنية به دون أن يلزمه المشرع بالالتزام بكل هذه الشكليات. إذ أن العلم بها يقع على عاتق الجهات المعنية بالتشاور. فهل الالتزام بالإعلام بالطريقة التي اختارها الرئيس ومع التقيد بالنص الدستوري حرفيا يقصد منها كما فهم البعض إن الرئيس لن يكون في المستقبل ملزما بالتشاور الا مع الجهات التي حددها وطلب رأيها.. أم أن تقيده في إعلامه بالجهات المعنية دستوريا بالتشاور ليست غير تقيد شكلي إذ أنه سيفتح باب التشاور مع جهات أخرى تقع على رأسها المنظمات الوطنية ؟

2. الجهات المعنية بمشاورات رئيس الجمهورية والفوضى الاتصالية

عرّفت الفقرة الثالثة الجهات التي يتشاور معها رئيس الجمهورية دستوريا في شأن تكليف الشخصية الأقدر لتكوين الحكومة وهي الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية ولا تمنع هذه الفقرة الرئيس من التشاور سياسيا مثلا مع المنظمات الوطنية كما ذهب البعض الى ذلك خطأ.

الأحزاب : يتشاور رئيس الجمهورية مع الأحزاب التي تنشط بصفة قانونية في* بلادنا وهي تعد بالمئات ولم تحصر تلك الفقرة المشاورات في الأحزاب الممثلة في البرلمان.

فقد وردت كلمة «الأحزاب» مطلقة في النص الدستوري وفي كتاب الرئيس الأول الصادر في 14 جانفي. غير أن رئاسة الجمهورية ارتأت في الأخير حصر المشاورات فقط مع الأحزاب الممثّلة في البرلمان وفق ما ورد في التوضيح الصادر في 16 جانفي.

هكذا تكون الرئاسة غيرت رأيها أو عدلته ربما بعد تفطنها إلى الإشكال المتعلق بمخاطبة مئات الأحزاب وتلقي مقترحاتها وما يمكن أن ينجر عن ذلك من فوضى فقد جاء في بيانها التوضيحي »أنّه فيما يخص الأحزاب المشار إليها بالفصل 89 من الدستور» فواضح من النص الدستوري أن الأمر يتعلق فقط بالأحزاب الممثلة داخل مجلس نواب الشعب لا بكل الأحزاب الموجودة قانونا، إذ أن عددا غير قليل من هذه الأحزاب المتحصلة على تأشيرة من رئاسة الحكومة (من وزارة الداخلية في الصيغة الأولى للتوضيح قبل التفطن إلى الخطأ الغريب وإصلاحه) ليس له أي نائب داخل مجلس نواب الشعب وترتيبا على ذلك فإن المشاورات لا يمكن أن تكون إلا مع الأحزاب الممثلة داخل المجلس».

يبدو أن رئيس الجمهورية اخذ بالاعتبار أحكام القانون عدد 87 لسنة 2011 المؤرخ في 24/09/2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية وخاصة احكام فصله الثاني الذي ينص إطار تعريفه للحزب على أن الحزب «يهدف الى المشاركة في الانتخابات قصد ممارسة السلطة» فالأحزاب الممثلة في البرلمان تعتبر فائزة في الانتخابات وعلى هذا الأساس يمكن لها تقديم مرشحيها لرئاسة الحكومة بخلاف الأحزاب غير الممثلة في البرلمان والتي لا يمكن لها تقديم مرشحيها إمّا لأنّها لم تشارك في الانتخابات أو لأنّها شاركت فيها لكن لم تفز بمقاعد.

الائتلافات : والمقصود بها الائتلافات بين الأحزاب ولم تشترط هذه الفقرة* التشاور فقط مع الائتلافات الانتخابية التي تكونت قبل يوم الاقتراع وإنما يمكن لرئيس الجمهورية التشاور مع الائتلافات المكونة بعد يوم الاقتراع وحتى بعد التصويت برفض منح الثقة وتكون غايتها الاتفاق بين مكوناتها على شخصية واحدة تقترحها على رئيس الجمهورية وهو ما يبدو أن بعض الأحزاب البرلمانية تسير نحوه.

الكتل النيابية : ويستفاد من الكتاب الذي وجهه رئيس الجمهورية أنه تلقى من* مجلس نواب الشعب مراسلة مؤرخة في 13 جانفي الجاري تتضمن قائمة الكتل النيابية ويبدو أن الغاية من تلك المراسلة هي إعلامه بالكتل النيابية من حيث عددها وتركيبتها ولا ندري إذا كانت معرفة الرئيس بهذه الكتل تعني مراسلتها كتابيا واسميا أم أنه سيحتاج إلى هذه القائمة في مشاوراته معها في فترة لاحقة ستتبع وصول اقتراحاتها بشأن الشخصيات أو الشخصيات التي ترشحها لتكوين الحكومة في ما تبقى من المهلة الدستورية والتي تنتهي يوم 20 جانفي إذا ما أجل العشرة سريان الأجل يوم السبت 11 جانفي.

3. هل وجّه رئيس الجمهورية نسخة من كتابه إلى كل جهة معنية بالتشاور معه ؟

في إطار المرحلة الدستورية الثانية موضوع الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور وجه رئيس الجمهورية كتابا إلى الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية أوردت نصّه الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية بالفيسبوك وأخبرت عنه في صيغة غير واضحة والآتي نصّها «وجّه رئيس الجمهوريّة مساء هذا اليوم إلى الأحزاب والائتلافات والكتل البرلمانيّة الكتاب التالي نشر الخبر صباح يوم الثلاثاء 14 جانفي 2020 فكيف وجه رئيس الجمهورية الكتاب مساء اليوم المذكور في الخبر إذا أن الخبر نفسه جاء في صباح ذات اليوم إذ نشر على صفحة الرئاسة بعد منتصف الليل ؟ فعن أي مساء يتحدث الخبر؟ هو بالتأكيد مساء 13 جانفي ولا يمكن أن يكون مساء 14 جانفي إذ إن هذا المساء لم يأت بعد (يبدو ان الخلط ناتج عن خطأ في تقسيم اليوم اذ ان ما ياتي قبل دقيقة من منتصف الليل يعدّ من يوم أمس (كيف نفسر هذا الخطأ هل نرجعه إلى عدم خبرة اتصالية ؟) علما وأن صفحة الرئاسة لم تذكر تاريخ تحرير الكتاب ولا تاريخ إرساله. فهل وجّه نسخة من الكتاب إلى كل حزب والى كل ائتلاف والى كل كتلة؟ ام اقتصر توجيه الكتاب إلى كل هؤلاء بنشره في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية وحمل الجهات المعنية بالمشاورات على حصول علمهم بمحتوى الكتاب بمجرد نشره؟ اضطرت رئاسة الجمهورية الى توضيح هذه المسألة في البيان السالف الذكر وبيّنت أنّه «تبعا لما راج من تساؤلات حول عدد المراسلات التي وجهها رئيس الجمهورية في إطار المشاورات المتعلقة بتركيبة الحكومة، يهم رئاسة الجمهورية أن توضح أنه تم توجيه ثماني وثلاثين مراسلة إلى رؤساء الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية طبقا لما نص عليه الفصل التاسع والثمانون من حزب والى كل ائتلاف والى كل كتلة.

الشخصية الأقدر ؟

تختلف الآراء حول كيفية اختيار الرئيس للشخصية الأقدر.. فالرجل أمام اختبار صعب جدا في ظل انقسام سياسي حاد داخل المجلس وخارجه. كيف يمكن له أن يوفق بين الاقتراحات التي ستصدر عن عشرات الفاعلين السياسيين. فبالاضافة الى 38 جهة حزبية التي خاطبها الرئيس والتي هو ملزم بالتشاور معها فهناك بلا شك جهات اخرى لا مجال الى التغاضي عن رأيها وفي مقدمتها اتحاد الشغل… فهل سيكون اختياره مبنيا على واحدة من أكثر الشخصيات ورودا وتواترا في اقتراحات الجهات المعنية بالتشاور بقطع النظر عن مواصفات هذه الشخصية مما يجعله مرتبطا باختيار الأحزاب بقصد تحميلها في ما بعد مسؤولية اختيارها وما يترتب عن ذلك من ضرورة توافقها على برنامج للحكومة وعلى تشكيلتها ثم توفير حزام سياسي لها من خلال منحها الثقة بعدد مريح يتجاوز الاغلبية المطلوبة كما جرى الأمر مع كل الحكومات المتعاقبة التي نالت الثقة بما يتجاوز 140 صوتا. أم أنه وبالنظر الى ما تتسم به شخصية الرئيس من تطرف أحيانا في رفض كل شيء (وهو ما اشار اليه الاستاذ عياض بن عاشور في تصريح لموزاييك بوصفه قيس سعيد بـ «الرئيس الضد» فهو ضد الاحزاب وضد النظام الحالي وضد كل شيء») فإنه سيواصل في نهج الرفض هذا فيرفض الخضوع الى الكتل البرلمانية في اختيار شخصية تتفق عليها خاصة إذا كانت شخصية من النظام القديم وليست محسوبة على ما يسميه البعض في كثير من التساهل في التسمية بتيار الثورة.

نحن نميل إلى الرأي الأول فرغم الفوضى التي تعيشها مؤسسة الرئاسة على المستوى الاتصالي وعلى مستوى المواقف والتصريحات خاصة فان الرئيس سيخضع في النهاية إلى مقتضيات الدستور وضرورات التوافق بعيدا عن الشعارات التي يطلقها هناك وهناك والتي تثير عجب وأحيانا سخرية التونسيين.

في خلاصة …

وفي النهاية فإن السياسة الاتصالية لرئيس الجمهورية من خلال »الكتاب» الأول الصادر يوم 14 جانفي الجاري او التوضيح الصادر في 16 من نفس الشهر وغيرهما قد اتسمت بالغموض والتردد عدا الأخطاء القانونية التي لا تليق برئاسة الجمهورية وهي أعلى مؤسسة دستورية في الدولة. ولا ندري بالضبط كيف تصوغ الرئاسة بياناتها ومن الذي يتكفل بكتابتها. فمن المعمول به في هذا المجال أن الرئيس يتكفل بتسليم مذكرة في الغرض الذي يريد الكتابة فيه إلى مستشاريه قصد إعطائها الشكل النهائي بما يستجيب لضرورات التحري في المعلومات الواردة في البيان أو التوضيح والاقتصار في كل ذلك على الضروري والمفيد والابتعاد عن الحشو وأحيانا التقعر. فرئاسة الجمهورية ليست مدرسة لتعليم النحو ولا هي فرصة لاستعراض »قدرات بلاغية» كثيرا ما تتحول الى استزادة في الحديث لا مبرر لها (كالحديث عن المبتدأ والخبر دون أي معرفة بقواعد الإسناد في الجملة الاسمية مُمَثلا في الخبر ومكانه في الجملة تقديما وتأخيرا). نحن مع قيس سعيد أمام ظاهرة غربية تفقد الدولة معها هيبتها. فلا ندري اذا كان يتصرف وحده دون مشاورة او كان يشاور من لا يعول عليه وفي كلتا الحالتين تخرج بيانات الرئاسة عن غرضها ويحتاج المكتوب معها الى توضيح وقد يحتاج التوضيح الى توضيح في سلسلة من الأخطاء لا ندري الى متى ستستمر. نحن في بداية العهدة فإما الانتباه إلى فداحة الأخطاء المرتكبة والتي أشرنا إلى البعض منها وإما فإنا سائرون رأسا إلى ما لا يحمد عقباه.

رحم الله أبا هلال العسكري حين قال في كتاب الصناعتين أن قوما “يستحقرون الكلام إذا رأوه سلساً عذباً وسهلاً حلواً ولم يعلموا أن السهل أمنع جانباً، وأعز مطلباً وهو أحسن موقعاً، وأعذب مستمعا”.

اسطرلاب

شاهد أيضاً

السياسة من الخلف …

سفيان العلوي  الرئيس صعده إلى الحكم شباب حالم غاضب يقاطع الانتخابات غالبا إلا في مناسبة …

الجاحظ والرئيس الذي من كوكب آخر…

نور الدين الغيلوفي  في تونس “أراد” الشعب بعد سنوات تسع من قيام الثورة أن ينتخب …

اترك رد