fbpx
السبت , 23 يناير 2021

سقوط حكومة الجملي: حصاد الفشل.. وحاصل المعنى

نور الدين الختروشي

كان يوما تاريخيا بملأ المعنى والدلالة، يوم سقوط السيد لحبيب الجملي تحت قبة البرلمان. فلأول مرة منذ تأسيس معمودية نظامنا الديمقراطي الجديد نشهد رفض نواب الشعب تزكية حكومة اجتهد الحزب الفائز في الانتخابات في تركيبها والتسويق لها على انها الافضل واجتهدت في المقابل المعارضة في تبخيسها والدعوة لإسقاطها.

لبس مهما من هذه الزاوية حسابات السياسة وتجاذبات الفاعلين في المشهد الحزبي فكلها تفاصيل “عادية جدا” في يوميات الديمقراطية.
حركة النهضة تقول رسميا فشلنا وانتصرت الديمقراطية رغم أن جزءا محترما من مناصريها رأوا في موقفها الرسمي مجرد تبرير سياسي لهزيمة صادمة نتيجة فوضى الاختيار وإدارته منذ رشحت المجهول /المستقل او نصف المستقل لتولي مهمة تشكيل الحكومة.
لن نعود الى سلسلة الأخطاء التي راكمتها النهضة منذ ترشيح عبد الفتاح مورو للرئاسيات ولن نقف عند عبث بقية مكونات الخارطة الحزبية قبل وخلال وبعد مفاوضات تشكيل الحكومة فقد أتينا على تلك العناوين في مقالات سابقة، فما يهمنا هنا فقط ان نذكر ان حسابات الربح والخسارة والفشل والنجاح نسبية جدا في النصاب الديمقراطي فالسياسة من هذه الزاوية أم الفشل والسياسي النابه والذكي هو القادر بداية على إدارة ممكن الفاشل الماثل كفرضية خالدة في كتاب السياسة.

يبدو الفصل المنهجي بين منطق الحرب وقاعدته التنافي (أنا أو أنت) ومنطق السياسة وقاعدته الاعتراف المتبادل (أنا وأنت) مفيدا جدا في فهم ما حصل يوم الوقيعة البرلمانية بحكومة الجملي. فمن تمثل سقوط الحكومة على أنه نصرا مبينا تماما كمن عاشها على أنها أم الهزائم لم يستوعب أن السياسة مباراة ناعمة بفن الحيلة والمكر والمناورة ولم يغادر قوالب ثقافة التنافي والتحارب التي شكلت بنية “عقلنا السياسي” زمن الاستبداد والمباراة بالعنف.
الراقصون على مزامير الفرح لهزيمة النهضة واللاطمون للخدود على مرارة الانكسار كلاهما لم يغادر فضاء “ما قبل السياسة” وكلاهما لم يستقر وعيا وخطابا في زمن الحداثة السياسية فالهزيمة بنت الحروب والسياسة أم الفشل.

توترات اللعبة الديمقراطية مرهقة ولكنها بالنهاية تترسخ في الفضاء الوطني كأفضل ممكن تاريخي لإدارة فوضى تعدد البدايات، هذا ما يحصحص من يوم “الوقيعة” بحكومة الجملي.
بالعودة لما بعد سقوط حكومة النهضة تتوجه الأنظار والأبصار إلى قرطاج فالكرة الآن في ملعب الرئيس.
الرئيس الغامض يبدو من خلال أدائه الى هذا اليوم أنه يمعن في مخالفة أعراف الرئاسة ويمعن اكثر في إهانة المجتمع الحزبي الذي اعتبره في حملته الانتخابية علة علل الثورة والسياسة والدولة. فقد أصدرت الرئاسة في بادرة غريبة بيانا طالبت فيه الاحزاب بـ “اقتراح مكتوب ومعلل يودع بمكتب الضبط دون تجاوز الآجال القانونية”. الصيغة الإدارية الرسمية التي اقترفتها بسابقية إضمار بلاغ الرئاسة تبطن تعاليا مهينا للأحزاب المعنية باقتراح اسما لترأس الحكومة، والرئيس باستفراغ المهمة المركبة حد التعقيد من محتواها السياسي وحصرها في بعد ادري رسمي بارد وباهت، بصدد توجية رسالة عميقة للجميع مضمونها انه بالنهاية غير معني بالعملية السياسية والمسار برمته مادام سليل نظام سياسي يعتبره الرئيس منحرفا أسما ورسما. فالـ”خرقة” التي نعتبرها دستورا هو مفخرة الثورة التونسية، تذكر تدخلات الرئيس في أكثر من مناسبة أنها علة علل الحالة التونسية وهو القائل في عيد الثورة أن الدستور هو ما يكتبه الشباب على الجدران.

حكومة الرئيس كما يسميها السياسيون هي دالة فشل الأحزاب والنخب السياسية في التوافق على الادنى أو الاقصى المشترك، وبلاغ الرئاسة في هذا السياق هو إعلان موت السياسة في نصاب ديمقراطي كلاسيكي جوهره التدافع بين مكونات مجتمع الحكم تفاوضا أو خصاما.
ستذهب الأحزاب إلى قرطاج مطأطأة الرأس، ترهقها ذلة، لتنتظر من الرئيس الحكم الفصل والقول الأخير الذي لا معقب بعده.
المفارقة هنا ان الاطراف التي ابدت شراسة مخاتلة في فرض شروطها المجحفة على فريق الجملي بادرت بإبداء مرونتها في التعاطي مع مقترح الرئيس وتنازلت ونزلت شروطها الى الصفر وما جاوره. مما يجعل السؤال حول جديتها ومصدتقيتها مشروعا يوم رفعت من سقف مطالبها. في جولات التفاوض حول حكومة الجملي.

الحاصل والمحصول من السابق ان عبثية أداء الأحزاب المكونة للمشهد الجديد تعمق القناعة أن محور استراتيجياتها لم تكن مصلحة الوطن بل تصفية النهضة وشطبها من قائمة التأهيل للحكم.
فوبيا النهضة تبرز مرة أخرى على سطح المشهد لتكثف معنى احتكار الحقيقة الوطنية لدى الجزء الوازن من مكونات الخارطة السياسية والايديولوجية.
الخاسرون من زمن الحرية يعمقون القناعة الشعبية أن ديمقراطيتنا الناشئة لا يمكن ترسيخ اعمدتها بنخب منفصمة تمزقها المراوحة البائسة بين وعي ذاتها من داخل قوالب أقانيم فكرة الاستبداد واحتكار المعنى والحقيقة من جهة وبين إعادة صياغة ذاتها وصهرها على محارق زمن الحرية.
لم تكفي عشرية التمرين على الديمقراطية الجزء الغائب من مجتمع النخبة ليتأهل لإدارة الحيز السياسي كمجال تبادل وشراكة وتنافس على الخير العام أو المصلحة الوطنية. بل يزعم كاتب هذه السطور ان ام فشلنا بعد الثورة يتركز في عدم قدرة الجميع على تأسيس المجال السياسي كمجال تنافس على الحكم جوهره الاعتراف المتبادل بحق الوجود وأهلية المنافسة بدالة الفكرة والبرنامج على إدارة المصير العام.

الرأي العام

شاهد أيضاً

تعديل وزاري في تونس بطعم الاستقرار

نور الدين العلوي  أعلن رئيس الحكومة التونسي (السيد المشيشي) عشية السبت (16 كانون الثاني/ يناير …

الحوار رهين شروط النهضة

عبد القادر الونيسي  الحوار المرتقب يريده الإتحاد وحلفاؤها بين الأصدقاء فقط ولا بأس من تزيينه …

اترك رد