fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

ما يقلقنا اليوم في تونس..

عبد اللّطيف درباله

في ليل 14 جانفي 2011.. بعد أن أُعْلِنَ عن مغادرة رئيس الجمهوريّة حينها الديكتاتور زين العابدين بن عليّ تونس.. عانقت أحلام التونسيّين السّماء.. ولم يحلموا فقط بدولة حرّة وديمقراطيّة.. وإنّما حلموا بدولة متطوّرة وغنيّة.. وبحياة مرفّهة وأكثر جمالا ورخاء..!!
ولم يخطئ التونسيّون في حلمهم.. فهو متاح.. وممكن.. وسهل..
ولكنّ السياسيّين هم الذين أخطؤوا.. وعجزوا عن تحقيق الأحلام..!!!

تسع سنوات كاملة بعد سقوط الأنظمة الديكتاتوريّة عموما.. ونظام بن علي خصوصا..
حقّقت تونس فيها الكثير..
وبقي الكثير لتحقيقه..!!

بدأت بلادنا مسارا ديمقراطيّا متميّزا.. مفعما بالحريّات العامّة.. وخاصّة حريّة النشاط السياسي.. وتكوين الأحزاب والجمعيّات.. وحريّة التفكير والرأي والتعبير.. وحريّة الإعلام..
وانتقلت فيها انتهاكات حقوق الإنسان من سياسة دولة.. إلى ممارسات فرديّة مهما اتسّعت أحيانا..
وبدأ الشعب التونسي يكتسب ثقّافة سياسيّة واسعة.. ستفتح بلا شكّ آفاقا أفضل للبلاد مستقبلا..
واصبح من حقّ كلّ مواطن أن يشارك في ممارسة الحكم.. وفي إدارة الدولة بمختلف سلطاتها.. من الجهويّة إلى الوطنيّة والمركزيّة..
بل أصبح متاحا لكلّ مواطن أن يحلم بأن يصل إلى أيّ من مناصب الدّولة العليا.. من رئاسة الجمهوريّة إلى رئاسة الحكومة.. مرورا بالعضويّة في مجلس نواب الشعب وعضويّة الحكومة..
غير أنّه بقي مع ذلك الكثير من المتطلبّات..ومن آليّات.. ومن مؤسّسات النظام الديمقراطي.. لم يتمّ بعثها وتركيزها بعد..!!

لكنّ أبرز النقائص السياسيّة تبقى بالتأكيد عدم تكوّن أحزاب سياسيّة وطنيّة وفاعلة وقويّة تؤمن بالثّورة.. ومبادئها.. وتعمل على تطوير البلاد.. ولها مشروع طموح.. وبرنامج مركّز.. وتحسن حشد الكفاءات لتحقيقه..
والحزب الوحيد المهيكل والفاعل في تونس بطريقة منتظمة ومستمرّة منذ الثّورة.. هو حزب قديم (النهضة) يعود إلى عهد بورقيبة.. ويحتاج بدوره إلى أحزاب كبرى أخرى منافسة تضاهيه تنظيما وقوّة.. لتكريس فوائد المنافسة.. من أجل إثراء وإذكاء الحياة السياسيّة في تونس.. وخدمة الدّولة والشعب..!!

أمّا ما يعيب الثّورة حتّى اليوم.. فهو بالتأكيد عدم توازي المسار السياسي الإيجابي.. مع المسار الإقتصادي..!!
فلا تزال تونس تعاني مشاكل ماليّة وإقتصاديّة هيكليّة حادّة وعويصة ومنهكة.. أدّت إلى تدهور الوضع المالي والإجتماعي لأغلب شرائح الشعب التونسي..!!
كما لا تزال تونس تعاني مشاكل فساد حادّ وخطير وواسع.. منتشر كالوباء في كلّ مكان.. بشكل لا يختلف حجما ونوعا ومستوى.. عن ما كان قبل الثورة..!!!

ما يقلقنا اليوم في تونس.. ليس أنّ البلاد لم تستكمل إنجاح ثورتها.. فذلك يحتاج ولا ريب إلى وقت طويل ومعقول.. وكلّ هذه السنوات التسعة.. وما هو أكثر.. لا يعني عادة شيئا في عمر الأمم والدّول..!!
ما يقلقنا.. أنّ الحكومات المتعاقبة منذ الثّورة لم تنجح في أن تؤسّس الحلم.. وتبعث الأمل في مستقبل أفضل للتونسيّين.. ممّا جعل حلم الهجرة من تونس يتّسع من شريحة ضيّقة ضمن الشباب المهمّش وغير المتعلّم.. إلى شريحة أوسع ضمن الشباب المتعلّم وحتّى الجامعي..!!
وأخيرا أصبح حلم الهجرة متفشّيا حتّى ضمن فئات أخرى غير الشباب.. وهو ما تسبّب في موجة هجرة غير مسبوقة في تونس ضمن الفئات العليا والأدمغة.. عبر المطارات ومع “فيزا” العمل بالخارج.. وليس فقط سرّا عبر قوارب “الحرقة” المغامرة في عرض البحر..!!!
ومن بقي في تونس.. فإنّ أغلبهم يشكون إنسداد الأفق.. ويشكون كلّ أنواع المشاكل.. مثل التهميش والبطالة والفقر ومحدوديّة الموارد.. ومشاكل الصحّة والتعليم والنقل والأمن والبنية التحتيّة والبيروقراطيّة الإداريّة الثقيلة.. وغيرها الكثير الكثير..!!!

عندما عانقت أحلام التونسيّن السّماء.. وناموا مثل ليلتهم هذه في سنة 2011.. على أحلام ورديّة جميلة.. بعد أن تخلّصوا من كابوس الديكتاتور والديكتاتوريّة لأوّل مرّة منذ الإستقلال..
عندما حلم التونسيّون ليتها بدولة جديدة حرّة وديمقراطيّة وعادلة..
وحلموا في نفس الوقت بتحوّل دولتهم إلى بلد متطوّر وعصري وقويّ وغنيّ وجميل..
وحلم التونسيّون ليلتها بأن تنعكس الثورة على حياتهم الخاصّة بنجاح ورخاء وإزدهار شخصيّ..
لم يخطئ التونسيّون في حلمهم.. فهو متاح.. وممكن.. وسهل..
ولكنّ السياسيّين هم الذين أخطؤوا.. وعجزوا عن تحقيق أحلام شعبهم..!!!

تونس تحتاج إلى حلم.. ورؤية.. وخطّة.. وقيادة.. وعمل.. وضمير.. ووطنيّة..!!!

تحيا تونس دائما.. والمجد لشعبها.. ولا بدّ أن يستجيب القدر لإرادته..!!!

شاهد أيضاً

تحليل دستوري وسياسي لموقف رئيس الجمهورية من التحوير الوزاري لحكومة المشيشي

عبد اللّطيف درباله  تحليل دستوري وسياسي لموقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد من التحوير الوزاري لحكومة …

أزمة كورونا في تونس: مطلوب قرارت حكوميّة شجاعة وإجراءات ذكيّة قبل الكارثة وليس بعدها..!!!

عبد اللّطيف درباله  لا يتعلّق الأمر بفرض الحجر الصحي الشامل تحديدا.. لكنّ ما هو واجب …

اترك رد