fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

أشارع يتّسع لنا ويضيق علينا وطن ؟

صالح التيزاوي

تطوي الثّورة التّونسيّة عامها التّاسع، وتحلّ ذكراها هذا العام في مناخ، يتميّز باستمرار المسار الدّيمقراطي بعد إنجاز الإنتخابات الرّئاسيّة والتّشريعيّة، رغم ظلال الخوف من المجهول الذي خيّمت عليه بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي، وانتقال اقتصادي واجتماعي متعثّر، يردّه المراقبون والمحلّلون إلى عدم الإستقرار السّياسي.. والذي يعود بدوره إلى القانون الإنتخابي الذي لا يعطي الأغلبيّة لحزب أو لحزبين لبناء تحالفات قويّة.

تردّدت مثل الكثيرين في النّزول إلى شارع الثّورة… لماذا يجب علىّ أن “أهبط”؟ وماذا حقّقت لنا الثّورة حتّى نحتفل بذكراها؟ كلّ المؤشّرات الإقتصاديّة والإجتماعيّة في تراجع.
ولم “تتطوّر” سوى المديونيّة، ولم يتحقّق سوى القليل من أهداف الثّورة في مجال الحرّيات والحقوق، وقد استفادت منه مافيات الفساد المالي والسّياسي والأحزاب الفاشيّة، المتناسلة من التّجمّع المنحل. أما عموم الشّعب الذين خرجوا إلى الشّوارع ورفعوا شعار الثّورة الأبرز “شغل، حرّيٍة، كرامة وطنيّة” ودفعوا في سبيل ذلك ضريبة الدّم لإسقاط حكم بن على، وألجؤوه إلى الهروب، فقد أضحت حياتهم ضنكا، ليس بفعل الثّورة المضادّة فقط، ولكن بسبب قصور النّخب السياسيّة التي تصدّت للحكم بعد الثّورة دون أن تكون جاهزة له ودون أن تكون لها رؤيا واضحة للإصلاح.

زادتني برودة الطّقس خمولا وكسلا. حشرت جسدي تحت أكوام من الأغطية، طلبا للدّفء. ودون أن أشعر امتدّت يدي لتصفّح “الفيس بوك”. وقعت عيني على منشور لصديق من الجنوب التّونسي يقول فيه: “الأحرار في طريقهم إلى شارع الثّورة”…

على امتداد شارع الثّورة وقد غصّ بأوفيائه، شعارات على كلّ لون وشكل وعلم تونس قد ملأ سماء الشارع، الكلّ يحتفل على طريقته وقوّات الأمن تؤدّي واجبها على أحسن ما يكون.
انتابني إحساس أنّها لم تعد مصدرا للرّعب كما كانت…

الكلّ يحتفل، ولكن بدت لي احتفالات هذا العام باهتة، ليست في مثل حرارة الأعوام السّابقة، لا شكّ أن ذلك عائد إلى الشّعور بالإحباط الذي تسرّب إلى قلوب التّونسيين، بسبب
خيبة أملهم في ثورتهم، التي لم تحقّق لهم تغييرا نوعيّا في حياتهم الإجتماعيّة، بل ازدادت حالتهم سوءا بسبب مكر بعض السّاسة الذين لم يتوقّفوا منذ أن أفاقوا من صدمة هروب بن علي على تخريبها بتحريض من غرفة أبوظبي لغلق قوس ثورات الرّيع العربي الذي كانت تونس مبتدأه، وبسبب الإختلاف الحاد بين القوى المحسوبة على الثّورة إلى حدّ التّنافي.. كما كشف عن ذلك سقوط حكومة الحبيب الجملي وتقدّم نبيل القروي ليعلن نفسه مخلّصا للبلاد وهو الملاحق قضائيّا في تهم بالفساد والتّهرّب الضّريبي، وقد وجد في بعض القوى المحسوبة على الثّورة من يصطفّ خلفه..

تونس اليوم على مفترق الطّرق وثورتها كذلك، فهي إمّا أن تنجح في انتقالها الإقتصادي والاجتماعي، ليتعزّز مسارها الدّيمقرلطي وإمّا أن يتواصل الفشل الإقتصادي والإجتماعي بما ينذر بتفجّر الوضع الإجتماعي وهو ما سينعكس سلبا على المسار الدّيمقرلطي.. ويرى مراقبون أنّ كثيرين في الدّاخل والخارج يعملون دون كلل أو ملل على تأزيم الأوضاع على جميع الصّعد لإنهاء الرّعب الذي سبّبته لهم الثّورة. وأعجب العجب أنّ الذين صدّعوا رؤوسنا أعواما بالحديث عن ثورات الشّعوب من اليسارجيّة والقومجيّة، وبمجرّر تفجّر الثّورات العربيّة ضدّ نظم الإستبداد، راحوا
يلعقون أحذية المستبدّين، وأصبحوا خدما لهم لوأد الثّورات قبل أن تبلغ مداها في الحرّيّة والتّحرّر.

أنساني منظر شارع الثّورة واهازيج المحتفلين برد اللّيالي البيض، ولكنّني تذكّرت وأنا على بعد أمتار من وزارة الدّاخليّة الأعوام السّود تحت حكم نظام دكتاتوريّ شديد البطش.
لم أكن أدري أنّ للحرّيّة دفئا يعادل دفء أشعّة شمس الرّبيع. ولم أدر ما طيب الحرّيّة حتّى ترفّق شارع الثّورة وطواني بين جموع المحتفلين… غير أنّ سؤالا بقي يتردّد في ذهني تاركا وجعا في القلب: كيف يتّسع لنا شارع ويضيق علينا وطن؟

شاهد أيضاً

عياض بن عاشور يخرج عن صمته

صالح التيزاوي  تزامنا مع الذّكرى العاشرة لاندلاع الثّورة، صرّح أستاذ القانون الدّستوري عياض بن عاشور، …

هل الديمقراطية تليق بهم وحدهم؟!

صالح التيزاوي  أبدى كثير من السّاسة والمشرّعين والمحلّلين الأمريكيين وخاصّة من الحزب الدّيمقراطي انزعاجهم من …

اترك رد