fbpx
الثلاثاء , 26 يناير 2021

إذا أتاكم الطبّوبي خطيبًا…

نور الدين الغيلوفي

مقدّمة احتياطيّة للذباب الذي لا يقرأ:

هذه التدوينة بوح مواطن تونسيّ يرى بلاده في مهبّ العبث.. لا ينتظر على ما يكتب جزاء ولا شكورا.. يكتب تحقيقا لشعوره بالحرّية.. ما كلّ من يكتب ما لا يوافقكم هو عدوّ لكم يريد زوالكم.. إنّما هي ترجمة للاختلاف تحت سقف الحريّة العالي…

المتنُ:

أتانا ولم يعدله سحبان وائل … بيانا وعلما بالذي هو قائل

نور الدين الطبّوبي وعلى يمينه سامي الطاهري

في احتفال رأس السنة يأتيكم خطيبا.. يغذّيكم بشحنة تفاؤل تكفيكم طوال السنة زادًا تتّقون به برد الشتاء وحرارة الصيف..
في عيد الشهداء يأتيكم خطيبا.. يشرح لكم معاني الفداء والموت في سبيل الوطن.. ويعلّمكم كيف تكون التضحية بالروح وبالدم…
في عيد الشجرة يأتيكم ليخطب فيكم.. يعلّمكم كيف تعيدون إلى تونس خضرتها بغراسة الأشجار في جبال استوطنها الإرهاب يزرع بها الموت…
في عيد الأمهات يأتيكم ليحدّثكم عن برّ الوالدين…
في عيد الجمهورية يأتيكم خطيبا ليعلّمهم كيف تستقلّ البلاد وتفكّ الارتباط مع الدوائر الدولية المتغطرسة…
يوم 17 ديسمبر ذكرى اندلاع الثورة يأتيكم من سيدي بوزيد ليخطب فيكم بأنّه كان هو عود الثقاب الذي أحرق جسد محمّد البوعزيزيّ لتندلع الثورة التونسيّة ويشبّ لهيبها ضدّ أنظمة الاستبداد العربيّة…
في يوم 14 جانفي يخطب فيكم من شرفة عرشه يحكي لكم كيف كان إجهازه على بن علي الذي انتهى بهروبه الذي تعرفون…

في كلّ مناسبة له فيكم خطبة عصماء لم يعرف طريقه إليها قسّ بن ساعدة ولا استطاعها سحبان وائل…

واقفا يخطب في الجموع على يساره رجل لا أعرفه.. وعلى يمينه سامي الطاهري متحفّزا رغم برد الشتاء.. ينظر في الورقة التي كتبها بين يدي زعيمه تتلوّى وأذناه وعيناه موزّعة بين جمهور يهتف بما لا يُفهَم ولا يسمع من خطاب الخطيب شيئا.. وبين زعيم يقرأ ولا يفهم ما يقرأ.. لعلّ الطاهري “مدبرّ الأمر في الخلاء” حزين لجهد ركّزه في الكتابة لم يعبأ به أحد من جهتي البث والتلقّي… ضاع جهد الطاهري بين أمين عام يصفع اللغة العربية في كلّ صوت ينطقه ويغتصبها مع كلّ لفظ يلفظه ويهتكها بكل جملة يقرأها لم تشفع لها نظّاراته السميكة.. وبين جموع جاءت لتشهد منافع لها وليس يعنيها الخطيب ولا الخطاب.. ولا كاتبه…

مشهد مكرَّر بائس لنخبة نقابيّة استيطانيّة لا تريد أن تنأى بكلكلها عن بلاد أثخنوها مرّتين:

  • مرّة كانوا فيها ملحَقين بنظام الفساد والاستبداد يرفعون تحدّيات الرئيس من خلف الرئيس ويبشّرون بأنّنا في طريقنا إلى مدينة فاضلة تأذن بنهاية التاريخ بعد تحقّق العدل المطلق على يدي أفضل رئيس شهدته الدنيا جعل من القضيّة الفلسطينية قضيّته الشخصيّة حتّى دعاه ياسر عرفات رحمه الله “زين العرب” فصدّق مثلما يصدّق الطبّوبي اليوم أنّه زعيم لتلك الجموع الصاخبة التي ما جاءت إلّا لتنعم بطلّته من الشرفة الشهيرة وتسمع زعيقه…
  • ومرّة حين ركبوا على الثورة بمجرّد هروب الرئيس برغبة محمومة غير محمودة في تدشين تاريخ جديد يريدون أن يكونوا هم أرباب نشأته وبطونهم بعد لن تتخلّص من بقايا طعام رئيسهم صانع التغيير…

نور الدين الطبّوبي بدأ حياته عاملا يأكل من عرق جبينه.. ترقّى في السلّم النقابيّ حتى انتهى به الأمر إلى احتلال كرسيّ فرحات حشّاد.. يقود مكتبا تنفيذيّا يأبى أن يلتحق بالثورة ويحول دون تحقيق أشواق الشعب… يركب ظهر الثورة ملتفتا إلى الخلْف.. يقوده زعيم غير مبين يأكل من قراءة خُطب يكتبها له سامي الطاهريّ.. وكلّما خطب الزعيم في الجموع علا من حوله الصراخ وصاح كلّ فريق بمطلبه ولم يسمع أحدٌ أحدًا… الرجل بطبعه عاجز عن البيان ويزيده صراخ الجموع المستنفَرَة بعدا عن الفهم وتيهًا عن البيان…
ما ضرّ لو أنّ أمينهم العامّ كفّ عن الكلام المباح؟..
ألا يُسمعونه صوته بعد كلّ خطاب؟
ألا يستنفرون ما ترسّب فيه من معاني الحياء؟
ألا يدلّونه على سُبُل الفهم وحِيَلِ البيان؟

قولوا لسيّدكم: بسماعك تُجرح الأسماع ويُنغَّص المزاج ويُبعثَر الفهم.. أو اجعلوا لكم أمينا عامّا أخرس.. فالخرس أكرمُ له.. فإذا كان الخَرَسُ كما تقول العرب هو ذَهَابُ الْكَلَامِ عِيّاً أَو خِلْقَةً.. فإنّ صاحبكم عييٌّ ناطق.. الرجل، فعلًا، عييّ دعيّ.. حَصِرٌ.. والحَصَرُ: ضربٌ مِنَ العِيِّ.. وَقِيلَ: حَصِرَ الرجل متى لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ…

لماذا يلحّون على إرهاق الرجل وجعله هدفا لسخرية المتعلّمين المبتدئين؟
إنّهم قد يغذّون غفلته بتلبية نشوته.. ولكنّهم ينفّرون الناس من منظّمة خذل اللاحق فيها السابق فصارت مرتعا للجهَلة والمتمعّشين على هامش الدورة الاقتصاديّة.. يخطب زعيم لهم في الشعب التونسيّ في القرن الحادي والعشرين ليقول لهم قولا لا يضيف إليهم شيئا.. وحتّى أنصاره الذين يؤمّونه خوفا وطمعا يسخرون منه في خلواتهم لأنّه يهدم بخطاباته حدّ الذوق الأدنى…

إنّه الغثيان

شاهد أيضاً

محرزية التي ماتت وقيس الذي صار رئيسا

نور الدين الغيلوفي  • محرزية كانت طالبة جامعيّة مناضلة لمّا أحرق بن علي الأرض من …

اليسار العاجز أبدًا.. عن أيّ ثورة يتحدّث هؤلاء؟ وعن أيّ شعب؟ ما صلتُهم بالشعب أصلًا؟

نور الدين الغيلوفي  اليسار منذ سبعينات القرن الماضي وهم “يدّاحرو”.. ولم يتّفقوا على تحديد طبيعة …

اترك رد