fbpx
السبت , 23 يناير 2021

تونس: بين محنة قرطاج وحيرة القصبة

نور الدين الختروشي

يوم اعلنت النهضة عن مرشحها لرئاسة الحكومة صدم الرأي العام وأبناء النهضة أنفسهم فالشخصية التي اختارها مجلس الشورى مجهولة تماما وبدون رسالة سياسية سوى التراجع المجاني عن قرار الشورى نفسه الذي أعلن رئيسه قبيل يوم واحد من ترشيح الجملى ان الحركة متمسكة بالترشيح من الداخل وان قرارها مؤسساتي بات وثابت.
أجمع المراقبون على أن ترشيح السيد الجملي لا يعكس ذكاءا سياسيا وأن النهضة التي أثبتت طيلة سنوات ما بعد الثورة قدرة مذهلة أحيانا على التكتيك والمناورة حتى سمي رئيسها بالشيخ التكتاك قد أضاعت البوصلة هذه المرة.

ففي الوقت الذي كانت تونس الرسمية والشعبية تتساءل عن مصير الرئاسة ونوايا الرئيس المجهَول دفعت النهضة بالحبيب الجملي الأكثر “أو المجهول الأكبر” وكأنها تنافس قرطاج في لعبة الغموض التي أتقنها قيس سعيد وصعدته وسط دهشة وصدمة الجميع إلى قرطاج وبحجم انتخابي فاق كل التوقعات.
دفعت النهضة بمجهولها إلى قلب المشهد واجبرنا على متابعة مسلسل مكسيكي ممل سيء الاخراج بطله بدون حضور وبدون كاريزما وبدون هوية سياسية.، فالرجل قيل عنه انه قريب من النهضة دون أن يكون نهضويا تجربته المهنية متواضعة وتاريخه السياسي صفر بدون فواصل.

الأغرب من كل السابق هو تخلي النهضة طوعيا عن قيادة المفاوضات، فقد كان منتظرا أن تحيط مرشحها لحكم البلاد بفريق تفاوضي من قياداتها المتمرسة على فنون التفاوض بالنظر إلى دقة المهمة وحدة التجاذبات التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية.
سابقة عبثية في هذا المسار أن يتقدم “مشاريع الحلفاء” شروطهم على المنابر الاعلامية من دون أن يطلب منهم المعنيون المشاركة في الحكم. والغريب المستغرب هنا هو استجابة النهضة لهذا العبث الطفولي الذي واكب المسلسل المكسيكي الباهت والبليد وقد انتهى على ندوة صحفية غاضبة اعلن فيها سيادة الرئيس المرشح حسمه في كل الأحزاب ونيته تشكيل حكومة كفاءات مستقلة عن “كل” الأحزاب.
كان هذا الإعلان انقلابا معلنا من الجملي على من رشحوه للمهمة أو هكذا فهم المتابعون لحلقات المسلسل الركيك.

تخلت النهضة عن حقها وواجبها في الحكم وتخلت عن دورها المفترض ان يكون استسيا في مفاوضات تشكيل الحكومة واستغل الفراغ شخصيات مستقلة بدون صفة سياسية ولا دستورية للتدخل وقيادة المفاوضات لمدة اسبوعين كانت نتيجتها بالنهاية تشايك العملية التفاوضية نفسها وتعميق المسار العبثي الذي دشنه مجلس شورى النهضة بالتصويت لرجل لا يعرفه غالبية أعضاء الشورى ومنهم من يتساءل إلى اليوم عن الجهة التي تقف وراءه وكيف تمكنت في الساعات الاخيرة من وضعه في قائمة السباق.
يوم العاصفة كان يوم أعلن الجملي قائمة وزراءه من الكفاءات المستقلة فقد جوبهت قائمة رئيس الحكومة في سابقة بليدة برفض كل المعنيين باستحقاق التشكيل الحكومي بما فيهم رموزا وازنة من الحزب الذي كلفه حتى ان السيد ناجي الجمل النائب عن حركة النهضة قد كتب تدوينة يدعو فيها الى المرور الى حكومة الرئيس صراحة لا تلميحا ليتقاطع مع رغبة أكثر الأطراف تطرفا في رفض وصول النهضة الى القصبة وفي مقدمتها حزب الشعب العروبي الذي دعا منذ خروج نتائج الانتخابات رغبته وإرادته في تسليم “الأمانة” للرئيس.

النهضة التي رفضت تفويض الشعب مازالت تتعامل مع موضوع الحكم من زاوية تجنب “فزاعة” التغول، وعند هذا الحد يبرز خطأها الاستراتيجي في فهم وتمثل استحقاقات اللحظة الوطنية.
صحيح أن منسوب الرفض للنهضة الحاكمة يمثل عقدة الحياة الوطنية في تونس ما بعد الثورة، وهو رفض مرضي ومزمن غير مفهوم إذا استحضرنا ما بذلته النهضة من جهد تحت عنوان السعي في المقبولية بالداخل والخارج طيلة السنوات الماضية وما اسنتبعه من محاولات التجدد والتخلص من ارثها الايديولوجي وتشبيك علاقاتها الدولية على خلفية تأهلها السياسي للحكم بعد ان اثبتت حسها العالي بالمسؤولية ومساهمتها الفارقة في تعميد أسس الديمقراطية والنأي بتونس عن مصير بقية بلدان الثورات العربية.

امساك النهضة عن الحكم هو بالنهاية اعلان طوعي عن فشلها في عنوان المقبولية مركز ومدار استراتجيتها طيلة سنوات ما بعد الثورة.
صحيح أن الناخب قد عقد على النهضة سؤال الحكم فبأغلبية لا تتجاوز ربع النصاب الانتخابي فهمت النهضة أنها لم تكلف بالحكم بل بهندسة موضوع الحكم، وكان ترشيح الجملي من خارج الحركة إحالة على أن النهضة امسكت بخيط الفصل الرقيق بين مهمة الحكم ومهمة هندسة هيكله المطلوب في ظل قانون انتخابي يمنع الجميع من الحكم بقطع النظر عن تغير معادلات الواقع وأهلية هذا الطرف أو ذاك لقيادة القصبة.

ولكن المدهش أن النهضة قد تخلت حتى عن واجب هندسة تركيبة الحكومة فتركت رجلا بدون خبرة ولا قدرة سياسية وازنة على مراقصة الأفاعي إلى أن وصلنا الى خطيئة ما يسمى بحكومة الكفاءات والتي هي بالنهاية حكومة الضرورة التي تتلهف النهضة هذه الأيام على تجميع نصاب تمريرها امام البرلمان وبعض الألسنة تردد أنها قدمت في الكواليس لأطراف كانت ترفض في العلن التحالف معها ما لا يصدق من التنازلات.
تتقدم حكومة الجملي نحو امتحان التصويت لمرورها الى القصبة ولا تحصل على النصاب، وخوف عدد كبير من نواب أكبر البقايا على كراسيهم، وفشل سعيد، ومررنا إلى سيناريو إعادة الانتخابات.
حالة سريالية تعيشها تونس السياسة في لحظة وطنية هشة بتراكم الديون والأزمات وفي لحظة اقليمية خطيرة عنوانها الحرب في ليبيا.
من قصر الرئيس تتوالى المؤشرات على عدم أهلية سعيد وطاقمه الرئاسي للحكم، وتتعمق القناعة أن الرجل سيكون محنة الدولة وعلّتها، في الوقت الذي كان مطلوبا منه ان يجسد روحها قبل ان يمثل اعلى مؤسساتها.
فما واكب زيارة أردوغان من تخبط وارتباك وأخطاء اتصالية بالجملة، ومع البهتة المرضية المزمنة التي تخيم على قرطاج الرئيس الجديد، قامر بالعودة إلى قيس سعيد الموتورون بعداء غريزي للنهضة او برغبة شبقية للاستمرار في الحكم كيوسف الشاهد الناشط جدا في الكواليس نحو حكومة الرئيس.
حالة من الانتظارية والحيرة والارتباك تخيم على الجميع في وضع إقليمي متحول وهائج قد ينداح في أية لحظة على الداخل فيعصف بكل المركب وراكبيه.
ننتظر في دهشة…

شاهد أيضاً

تعديل وزاري في تونس بطعم الاستقرار

نور الدين العلوي  أعلن رئيس الحكومة التونسي (السيد المشيشي) عشية السبت (16 كانون الثاني/ يناير …

الحوار رهين شروط النهضة

عبد القادر الونيسي  الحوار المرتقب يريده الإتحاد وحلفاؤها بين الأصدقاء فقط ولا بأس من تزيينه …

اترك رد