fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

زغاريد السقوط

نور الدين الغيلوفي

1. المشكل ليس في سقوط حكومة الحبيب الجملي.. وما كان الحلّ سيأتي لو أنّها فازت بثقة مجلس النواب…

كبرى المشاكل في نظري تكمن في هذا المناخ الموبوء الذي تحوّلت به مؤسّسات البلاد إلى خلطات انفجاريّة تنتظر الاندلاع في كلّ حين.. لقد صرنا على حافّة احتراب أهلي تدفع إليه دول الطوق الاستبدادي الباقية في بلاد العرب، تلك التي جعلت الترغيب والترهيب أداة لها في المنطقة بأسرها وهي التي وضعت تجربتنا التونسية في مرماها ولا تزال تبشّر بسقوطها لأنّ لها صلة بالإخوان.. ولهذه الدول المانحة أدوات لها داخل تونس واعية وأخرى غير واعية.. هم في الظاهر يستهدفون الإخوان ولكنّهم في الحقيقة يطلبون رأس المسار كلّه.. وما الإخوان سوى عنوان لهذا المسار وذريعة.. وقد صرّح إعلاميّ سعوديّ مرّة بتصريح قال فيه ” الجمرة الخبيثة التي بدأت من تونس”.. وهؤلاء إنّما يطلبون إطفاء الجمرة ووأد التجربة مخافة أن تتسرّب إليهم عدواها ويشبّ فيهم لهيبها ما دامت بها حياة.. ولو كان غير الإسلاميّين في صدارة المشهد لاتّخذوا منهم ذريعة لشنّ حربهم…

2. ثمّ من هم الإخوان؟
أليسوا مواطنين تونسيين؟
هل جاؤوا البلاد غزاة واقتحموا أسوارها، وأهلها نيام، ليطلب الجميع رؤوسهم بهذا الشكل المكرَّر المقرف؟

ماذا فعل بن علي ومن قبله بورقيبة بالإخوان؟ هل نجحا في القضاء عليهم؟ وهل نجح عبد الناصر والسادات ومبارك والقذافي وحافظ الأسد في وضع نهاية لوجود الإخوان؟
لماذا نضيع الجهود في تصفية خصوم لنا ليسوا بخصوم؟
أليس أولى بنا أن نصرف جهودنا في تنمية بلادنا و بسط أسباب الرخاء لشعبنا والنهوض بهذه الأمّة المنكوبة؟

لو أنّ تلك الدول صرفت جهودها الجبّارة في محاربة الإخوان إلى التعمير لالتحقت دولنا بالدول العظمى.. ولصرنا إلى حال أفضل ممّا نحن فيه.. ولكنّهم صرفوا أوقات دولهم وأموالها في حبك التهم لمعارضيهم.. فتحوّلت البلدان إلى معسكرات لاعتقالهم ومقابر لدفنهم…

3. الإخوان.. والإسلام السياسيّ عموما، إنّما كان لهم هذا الحضور اللافت بفضل الأنظمة التي استهدفتهم بالتصفية كما لا يُفعل مع الأبالسة.. لقد جعلوا منهم ضحايا وشهداء وصنعوا لهم ملاحم أشبه بكربلاء.. فلا تلك الأنظمة نجحت في القضاء عليهم ولا هي تركتهم لشأنهم يجري عليهم ما يجري على غيرهم من الصعود والنزول… وهؤلاء الذين لم يعد لهم من مشكل في الحياة سوى الإخوان إنّما يمدّون في أنفاسهم ويقدّمون إليهم المضادّ الحيوي الذي يمنعهم من التلاشي.. وأسباب تلاشيهم شتّى ولكنّ شنّ العداوات عليهم تصنع لهم إسمنتا جديدا يقيم جدارهم الذي يريد أن ينقضّ…

4. ماذا يعني أن تتّفق حركة الشعب والتيّار الديمقراطيّ مع عبير موسي ونبيل القروي و”منذر قفراش” وضاحي خلفان ضدّ “الإخوان” لإسقاط حكومة وجدوا بها طعمهم؟

هؤلاء لم يسقطوا حكومة الحبيب الجمليّ التي كان يمكن لها أن تمرّ كما مرّت حكومات سابقة.. إنّهم يرفضون وجود حركة النهضة ضمن المشهد مطلقا.. وأولى مهامّهم هي استئصالها.. نعم استئصالها.. وأولى علامات الاستئصال الإلحاح على تسمية النهضة باسم الإخوان في استدعاء فجّ لمعارك أنظمة عبد الناصر والقذافي وحافظ الأسد والسادات ومبارك وبورقيبة وبن علي مع الإخوان.. فهل يُعقَل أن ننعت حركة الشعب القوميّة العربيّة بأنّها لجان شعبية مثلا؟.. إنّه لا معنى للإصرار على تسمية النهضة بالإخوان إلّا إذا دعونا حركة الشعب “لجانا ثورية”…

5. إنّ هؤلاء بمثل ما يظهر من عنادهم إنّما يردّدون سردية نشأت داخل أروقة مخابرات أنظمة استبدادية عسكرية وشبه عسكرية صنعت لها أعداء من شعوبها تمارس ضدّهم قمعا مركَّزا تزرع به الخوف في كافّة الشعب.. وبذلك يستتبّ لها الأمر وتطول أعمارها.. ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. وكل معركة هزيمة.. ولا مشكل في الهزيمة ما دام الزعيم يصول ويجول…. ولقد طالت بها أعمارها وانتهت الأنظمة بموت الزعماء ولا شيء في بلاد العرب سوى الخراب يلد الخراب…

إنّه لم يعد من اللائق ترديد خطابات أنظمة سياسيّة مستبدّة في معارضيها.. فهل ننتظر أن يقول نظام في معارضيه خيرا؟ الحاكم العربي المستأثر بالسلطة والثروة والسلاح وبالخطاب ليس ملاكا ومعارضوه ليسوا شياطين.. بل العقل السليم يقول إنّ عكس الأمر أولى بالإقناع… أليس أحرى أن تكون الأنظمة هي الشياطين؟

6. إنّ كثيرا من هؤلاء الذين يدّعون أنّ لهم تناقضا سياسيّا مع حركة النهضة لم يعد لهم من هدف سوى التنغيص عليها وقد كانوا بالأمس مواعين لاستئصالها في الزمن النوفمبريّ.. بن علي لم يبسط سطوته بالتجمّع إنّما بسطها بخصوم أعدائه.. بطش بأعدائه (النهضة) باستعمال خصومهم (جميع خصومهم) وقد رضي هؤلاء من الغنيمة باختفاء ” الخوانجية” ومن ورائهم اختفى الشرّ من الأرض… فلا سياسة ولا يحزنون…
منذ متى كان لهؤلاء تفكير سياسيّ؟
وإذا كان فما هو؟
كيف يفكّر هؤلاء؟
ومن يفكّر لهم؟

هزمنا الإخوان وذلك حسبُنا

لا أحد منهم يملك حلّا للآتي.. ولا تصوُّرًا.. لا تصدّقوا أكاذيبهم.. فهم إذا طال بهم نقاشهم لم يفترقوا على التراضي بينهم.. أهونُهم قرأ منذ سبعينات القرن الماضي “الإنسان وحدة نوعيّة من الذكاء والمادّة” وبقي هناك مستقرًّا.. ومن وقتها لم يقرأ جملة مفيدة واحدة.. كلّ همّه أمرٌ “رمّزوه” ونهيٌ “لا تحكموا مع الإخوان”…

كلّهم أشبه بالمنجّمين.. حساباتهم منفردة.. والذي “يحسب وحده” تعرفون مصيره..
مثل هؤلاء مثل “سارح خالته”.. فهل سمعتم بـــــــ”سارح خالته”؟
جميع الفرحين بسقوط حكومة الجملي باتوا ليلتهم سعداء يجدون لذّة الاحتلام لأنّهم سجّلوا هدفا في مرمى “الإخوان” الأبالسة…

أعيُنهم على الرئيس وحكومته.. والرئيس حضوره مثل غيابه.. أصابه ما يشبه الخدَر منذ جلس على كرسيّ الرئاسة.. دستوره مكتوب على الجدران.. والجدران لم يُكتب عليها شيء يصلح لأن يكون له دليلا حتّى الآن.. وعبارة ” ممنوع البول على الحائط” لا تصلح بندا للتوجيه السياسيّ…

الجماعة ليسوا مستعجلين.. جراياتهم بمجلس نواب الشعب تزيد ولا تنقص.. وخليفة حفتر على الأبواب ينتظرون سماع أبواق نصره.. ونصره في ساعة صفره.. ليس لهم شيء يخافون عليه.. يحتاجون وقتا لنشوتهم باحتلامهم قبل الإفاقة منه.. والشعب بوسعه أن ينتظر.. لقد تعوّد على العطش والجوع.. والرئيس في وضع هجوع.. لا يدري ما يُفعَل به…

الهدف الأسمى تحقّق.. ومشروع العمر اُنجز.. الإخوان انهزموا.. وأكلوا “لطختهم”.. ولعلّهم لم يناموا ليلهم.. وذلك في حدّ ذاته شحنة كافية ليستمرّ الأمل في انتظار قدوم الفارس حفتر.. تلك همّتهم التي تعلّقوا بها.. ليس لهم همّة تتجاوزها…
انظروهم والفرح يعلوهم…

شاهد أيضاً

عن الموت والسياسة تداعيات نعي محرزية العبيدي

نور الدين الغيلوفي  رحم الله محرزيّة العبيدي ورزق أهلها جميل الصبر والسلوان… قاومت نائبة الشعب …

كلمة لزعماء اليسار التونسي… نصيحة لله.. وللشعب…

نور الدين الغيلوفي  • أعرف أنّكم لا تحبّون الناصحين حتى إن كانوا من منتسبيكم لأنّ …

اترك رد